بيعة الغدير ليس تراثاً تُستذكر في المناسبات، بل هي منهج حياة متكامل، يربط بين العقيدة والقيادة، ويؤسس لواقع إسلامي قائم على الحق والعدل، وما أحوج العراق اليوم إلى أن تستلهم قيم بيعة الغدير في مواجهة الفساد والاستبداد، لتكون البيعة منارة تهدي الأمة في حاضرها ومستقبلها، لا شعاراً يُرفع...

بيعة الغدير ليس صفحة طُويت في تاريخ الأمة، ولا حادثة انتهى أثرها في حينها، بل هو عهدٌ متجدد يربط بين الإيمان بالله ورسوله وبين موالاة علي (ع)، ويجعل من قيمه معياراً دائماً للحق والعدل، حيث ارتبطت هذه البيعة بآيات قرآنية مفصلية، منها آية التبليغ وآية إكمال الدين، لتؤكد أن الغدير ليس مجرد مناسبة تاريخية، بل اكتمال للرسالة وتحديد للمرجعية التي تحفظ مسيرة الأمة.

ان البيعة في أصلها عقد والتزام، فهي ليست شعاراً يُرفع، بل عهدٌ أخلاقي وروحي يتجدد مع كل من آمن بالله ورسوله، ويأتي قول الرسول الكريم (ص) (اللهم والِ من والاه، وانصر من نصره) ليضع قاعدة أبدية، إذ لم يوجّه الخطاب إلى الحاضرين في غدير خم فحسب، بل صاغه بأسلوب عام غير معرف، يدل على المستقبل، ليبقى الاقتران بين الإيمان بالله ورسوله وموالاة عليٍّ شرطاً دائماً مع كل مؤمن عبر العصور، وبهذا المعنى، يصبح الغدير منهج حياة لا ذكرى تراث، فهو مشروع حضاري متجدد يرسخ قيم العدالة والإنصاف ويؤسس لمقاومة الاستبداد.

غير أن الواقع العراقي اليوم يكشف عن مفارقة مؤلمة، إذ يزعم كثير ممن تولوا الأمر بأنهم من أتباع علي (ع) ومن مواليه، بينما أفعالهم تناقض ذلك الزعم، فلو كانوا حقاً ملتزمين بموالاة علي، لكانوا قد اقتدوا بنزاهته وعدالته وزهده، ولجعلوا من سيرته منهجاً في الحكم والإدارة، لكننا نرى عناوين تلبس لباس الموالاة وتعمل عمل الطغاة، حيث تغيب العدالة، وتُستباح النزاهة، ويُستبدل الزهد بالترف والفساد. وهنا يظهر التناقض الصارخ بين الادعاء والواقع، بين الشعار والممارسة، مما يجعل استحضار الغدير اليوم ضرورة ملحّة لتصحيح المسار وإعادة بناء الدولة على أسس الحق والعدل.

إن بيعة الغدير ليس تراثاً تُستذكر في المناسبات، بل هي منهج حياة متكامل، يربط بين العقيدة والقيادة، ويؤسس لواقع إسلامي قائم على الحق والعدل، وما أحوج العراق اليوم إلى أن تستلهم قيم بيعة الغدير في مواجهة الفساد والاستبداد، لتكون البيعة منارة تهدي الأمة في حاضرها ومستقبلها، لا شعاراً يُرفع دون مضمون، ولا دعوى تُطلق دون التزام.

وفي بيعة الغدير وخطاب الرسول الكريم بتنصيب امير المؤمنين إشارات دستورية عن كيفية تولى زمام الأمور في أي بلد من خلال توفر صفات القائد التي ذكرها الرسول الاكرم (ص)، ومن ثم ترجمها الامام علي (ع) عند توليه رئاسة الدولة، ويقول احد الكتاب المصريين، الدكتور احمد عزالدين المصري (ان الامام علي (ع) رفض مرارا منصب رئاسة الدولة ليثبت لكل ذي عينين أنه لم يختلس الأمر، ولم يسارع إليه، ولم يلفق له الطرق ويخترع الوسائل، وإنما كان اختياره اختيارا حرا من قبل الناس الذين أصروا عليه، فهي بيعة صافية رائقة لا يشوبها غبش)، وعلى وفق ما ذكره في كتابه الموسوم (الامامة والقيادة، منشورات مركز المصطفى للدراسات الإسلامية، طبعة عام 1997 ص ـ 111).

وبهذه المناسبة المباركة، فإننا نجدد العهد لنبينا محمدٍ المصطفى (ص)، ولمولانا علي المرتضى (ع) على أن نكون موالين وناصرين ما دام فينا قلبٌ ينبض، متمسكين بولايتهم، عاملين بقيمهم، مسترشدين بنور عدالتهم وزهدهم، ليبقى الغدير منهج حياة يفضح الزيف ويهدي الأمة إلى الحق والعدل، ونستذكر بهذه المناسبة المباركة وبكل فخر واعتزاز شهدائنا الذين امنوا بولاية علي وساروا على نهجه في الزهد والعدل والاستقامة ومقارعة الاستكبار العالمي واعداء الدين الصهاينة والامريكان وقدموا أولادهم وانفسهم قرابين في محراب الولاية وتجسيد التمسك بها.

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق