اندلاع الحرب الحالية يفتقد إلى الشرعية الدولية ويضعنا أمام تساؤل مرير: هل بقي شيء من القانون الدولي أم أن قانون القوة هو الحاكم؟ إن استهداف المدنيين والبنى التحتية وتدمير المرافق الحيوية خارج نطاق ميثاق الأمم المتحدة، يجعلنا نبدي شكوكا كبيرة تمتد إلى ما كتبناه وحاضرنا به طيلة عقود من الزمن...

منذ أكثر من نصف قرن من الزمن كتبتُ وحاضرتُ في القانون الدولي وأهمية قواعده على صعيد العلاقات الدولية، سواء في فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والشرقي، أم ما بعدها؛ ونشرتُ مقالةً في مجلة الثقافة الجديدة العراقية في العام 1975 بعنوان "دبلوماسية السلم وتعريف العدوان في القانون الدولي"، وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974) حول تعريف العدوان، واعتبرت ذلك حدثاً مهماً وتطوراً كبيراً.

وتابعتُ في الثمانينيات الدعوة إلى إيجاد تعريف للإرهاب الدولي، خصوصاً حين ثار الجدل وانفتح على مصراعيه، عن أي إرهاب نتحدّث؟ هل الإرهاب الفردي أم الإرهاب الجماعي؟ ودخلت في مناظرة سجالية مع البروفيسور الأمريكي بالمر من فلوريدا في مؤتمر دولي انعقد في أثينا (1986)، وكان رأيي وما يزال أنه علينا إدانة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره والتفريق بين الحق في المقاومة وممارسة الإرهاب الدولي.

وجئت على ذلك في عدد من الأبحاث والدراسات، قبل ظهور تنظيمات القاعدة وداعش وبعدها، يوم أصبحا خطراً يهدّد السلم والأمن الدوليين، خصوصاً بعد تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك (11 أيلول/سبتمبر 2001)، والذي انفجرت بعده موجة الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام)، وقد أصدرتُ حينها كتاباً بعنوان: "الإسلام والإرهاب الدولي - ثلاثية الثلاثاء الدامي"، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002.

ومن هذا المنطلق التاريخي – الفكري والقانوني تناولتُ عدم شرعية الحرب على العراق العام 2003، ولعلّ هذا السيناريو يتكرّر اليوم في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 شباط / فبراير 2026، ولا أحد يعرف متى ستنتهي، على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وبدء مفاوضات في إسلام آباد، كما لا يستطيع أحد أن يتكهّن كيف سيكون جيوبوليتيك المنطقة بعدها؟

لقد ألحقت الحرب دماراً بالأرواح والمرافق الاقتصادية الحيوية والبُنى التحتية لعموم دول المنطقة، وليس في إيران وحدها، بل شملت الإمارات والكويت والبحرين وقطر والسعودية والأردن والعراق ولبنان، الذي تعرض لعدوان شرس؛ ففي يوم واحد وخلال دقائق وجيزة وفي فترة وقف إطلاق النار مع إيران، تعرّض لبنان لأكثر من 100 غارة جوية، وكان قبل ذلك اضطرّ أكثر من مليون نازح لترك منازلهم. ولعلّ ما حصل هو الذي دفع نخبة أكاديمية وقانونية وحقوقية أمريكية من جامعات هارفارد وييل وستانفورد وكاليفورنيا، إلى إصدار وثيقة تدين الهجوم الأمريكي على إيران، واصفةً الانتهاكات بأنها ترقى إلى مستوى جرائم حرب.

وجاء في الوثيقة: إن سلوك القوات الأمريكية وتصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين تثير مخاوف جديّة بشأن انتهاكات "القانون الدولي لحقوق الإنسان" و"القانون الإنساني الدولي"، علماً بأن الوثيقة لا تنحصر بانتهاكات الجانب الأمريكي، بل تعتبر استهداف إيران منشآت مدنية وبُنى تحتية حيويّة ومحطّات توليد الكهرباء وتحلية المياه ومنشآت نفطية في دول الخليج العربي يمثّل أيضاً خرقاً فاضحاً للقانون الإنساني الدولي.

إن الحرب القائمة هي خارج نطاق الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر؛ ومثلما كان احتلال العراق في العام 2003 دون سند شرعي قانوني ودون ترخيص من الأمم المتحدة بعد الاشتراطات التي وضعها القرار 1441 (2002)، فإن اندلاع هذه الحرب هو الآخر يفتقد إلى الشرعية القانونية الدولية، حيث يحظر القانون الدولي استخدام القوّة إلّا في حالتين هما: الدفاع الشرعي عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أو من أجل التحرّر الوطني وحق تقرير المصير، والحالتان غائبتان.

لقد كانت حجة الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير البرنامج النووي الذي قال الرئيس ترامب إنه دمّره في هجمات حزيران / يونيو 2025، ثم أضيف هدف آخر وهو تدمير الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، وأكثر من ذلك الدعوة إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، حتى وصل الأمر إلى التهديد بتدمير الحضارة الإيرانية، وأن الجحيم سيكون بانتظار الإيرانيين. وتطورت الأحداث بعد إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي، الأمر الذي قاد إلى حصول اضطرابات كبرى في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع سعر النفط إلى مستويات غير مسبوقة. ولو تابعنا ما قام به الطرفان من هجمات وهجمات مضادة، سنلاحظ أن الكثير من المواقع المدنية استهدِفت خلافاً للقواعد الناظمة للقانون الدولي، حيث لم يتم التمييز بين الأهداف المدنية والمقاتلين، وهو الأمر الذي تحظره اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقاه لعام 1977.

إن تلك الأسئلة والإشكاليات التي تواجه القانون الدولي، بما فيه الحق في فرض الجزاء على المرتكبين، تجعلنا نُبدي شكوكاً كبيرة، هي ليست بعيدة عن أذهان طلبتنا وعن الواقع، وهذه الشكوك تمتدّ إلى ما كتبناه وما حاضرنا به طيلة عقود من الزمن: هل بقي شيء من القانون الدولي؟ أم أن قانون القوة هو الحاكم؟ وفي هذه الأسئلة يمكن تلمّس حجم النقد الذاتي والاعتذار لجمهور القرّاء.

اضف تعليق