إنَّ الحديثَ عن إنزالٍ عسكريٍّ أميركيٍّ في هرمز يمثلُ منطقَ التصعيدِ الإعلاميِّ أكثرَ ممَّا يعكسُ تقديراً استراتيجياً متوازناً. فالقوةُ العسكريةُ في الحروبِ الحديثةِ لا تُقاسُ فقط بما تستطيعُ فِعلَهُ، بل بما تختارُ ألا تفعلهُ حينَ تتجاوزُ التكاليفُ النتائجَ؛ وفتحُ المضيقِ يتطلبُ سيطرةً مستدامةً على بيئةٍ معقدةٍ، وهو ثمنٌ استراتيجيٌّ لا تبدو واشنطن مستعدةً لدفعهِ حالياً...

كثرت في الأيام الأخيرة التحليلات التي تتحدث عن احتمال قيام الولايات المتحدة بعملية إنزال عسكري لفتح مضيق هرمز بالقوة في إطار الحرب الدائرة بينها وبين إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. هذه الفرضية تبدو للوهلة الأولى منطقية، لأن المضيق يمثل الشريان الأهم للطاقة في العالم، ولأن أي تهديد للملاحة فيه يدفع القوى الكبرى إلى التفكير في خيارات عسكرية حاسمة. لكن القراءة الاستراتيجية الهادئة تشير إلى أن هذا السيناريو، رغم حضوره في الخطاب الإعلامي، يبقى أقل احتمالاً مما يتصور كثير من المحللين.

السبب الأول يتعلق بطبيعة الهدف نفسه. فتح مضيق هرمز عسكرياً لا يعني مجرد الوصول إليه أو ضرب بعض الأهداف الساحلية، بل يعني القدرة على تأمين الملاحة فيه بصورة مستدامة. وهذا يتطلب السيطرة على بيئة بحرية وجوية معقدة تمتد مئات الكيلومترات، وتحيط بها قواعد صاروخية ساحلية وزوارق سريعة وألغام بحرية وطائرات مسيّرة. وحتى لو نجحت قوة عسكرية كبرى في فتح الممر لفترة قصيرة، فإن الحفاظ عليه مفتوحاً تحت تهديد دائم يصبح مهمة أكثر تعقيداً وكلفة.

السبب الثاني أن العمليات البرمائية الواسعة من هذا النوع لا يمكن تنفيذها بسرعة أو مفاجأة كاملة. فهي تحتاج إلى حشد ضخم للقوات، وتغطية جوية وبحرية طويلة الأمد، وترتيبات لوجستية هائلة لتأمين القوات بعد الإنزال. مثل هذه العمليات عادة ما تكون واضحة المؤشرات قبل حدوثها بوقت كافٍ، لأنها تترك آثاراً كبيرة في حركة الأساطيل والقواعد الجوية. وحتى الآن لا توجد مؤشرات مؤكدة على قرار سياسي نهائي من هذا النوع.

السبب الثالث أن الكلفة السياسية لمثل هذه العملية ستكون مرتفعة للغاية. فالتدخل البري المباشر في الحرب يعني انتقالها من مستوى الضربات العسكرية المحدودة إلى مستوى مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما قد يدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما أن أي تصعيد بهذا الحجم في منطقة الخليج قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو أمر لا تستطيع الاقتصادات الكبرى تحمله لفترة طويلة.

السبب الرابع أن الاستراتيجية الأميركية في مثل هذه الأزمات تميل غالباً إلى استخدام القوة الجوية والبحرية والاقتصادية قبل اللجوء إلى العمليات البرية الواسعة. فالتاريخ العسكري الحديث للولايات المتحدة يظهر أن التدخلات البرية الكبرى تُعد الخيار الأخير، بعد استنفاد أدوات الضغط الأخرى. وهذا ما يجعل سيناريو الضربات الجوية المركزة أو عمليات حماية الملاحة الدولية أكثر احتمالاً من سيناريو الإنزال العسكري الواسع.

السبب الخامس يتعلق بالحسابات الداخلية الأميركية نفسها. فالحروب الطويلة والمكلفة أصبحت موضع حساسية كبيرة داخل السياسة الأميركية، خاصة بعد التجارب السابقة في الشرق الأوسط. ولهذا فإن أي قرار بعملية برية واسعة يحتاج إلى غطاء سياسي داخلي قوي، وهو أمر لا يبدو متوفراً بسهولة في الظروف الحالية.

كل ذلك لا يعني أن الخيار العسكري مستبعد تماماً. فالولايات المتحدة تحتفظ دائماً بقدرة كبيرة على التحرك السريع إذا رأت أن مصالحها الحيوية مهددة. لكن الفرق كبير بين القدرة على القيام بعملية عسكرية وبين القرار السياسي باستخدام هذه القدرة.

ولهذا يمكن القول إن الحديث المتكرر عن إنزال عسكري أميركي لفتح مضيق هرمز يعكس في كثير من الأحيان منطق التصعيد الإعلامي أكثر مما يعكس تقديراً استراتيجياً متوازناً. فالقوة العسكرية في الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بما تستطيع فعله، بل أيضاً بما تختار ألا تفعله عندما تكون كلفته أكبر من نتائجه.

في ضوء ذلك، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي بهدف فرض ترتيبات جديدة لأمن الملاحة في الخليج، دون الانزلاق إلى عملية برمائية واسعة قد تحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية مفتوحة. وفي مثل هذه الأزمات، كثيراً ما يكون التلويح بالخيار العسكري أداة ضغط سياسية بقدر ما هو احتمال عسكري فعلي.

وهكذا يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ إنزال في هرمز، بل ما إذا كانت مستعدة لدفع الثمن الاستراتيجي لمثل هذه الخطوة. وحتى الآن تشير المعطيات إلى أن كلفة هذا الخيار قد تكون أعلى من المكاسب التي يمكن أن يحققها.

اضف تعليق