إنَّ السِّيادةَ فِي جَوهرِها لَيْسَتِ اسْتِعراضاً لِلْقُوّةِ أوِ انْخِراطاً فِي سِياسَةِ المَحاوِر، بَلْ هِيَ ثَمَرَةٌ ناضِجَةٌ لِنظامٍ داخِليٍّ مُحْكَمٍ يَقومُ عَلى عِمارَةِ الأرْضِ قَبْلَ جِبايَةِ الخَراج، وعَلى جَعْلِ العَدْلِ الاجْتِماعيِّ الحَصانَةَ الوَحيدَةَ الَّتي تُحوِّلُ الدَّوْلَةَ مِنْ ساحَةٍ لِتَصادُمِ الإراداتِ الدَّوْليَّةِ إلى جِسْرٍ حَضاريٍّ يَرْبِطُ المَصالِحَ الإنسانيَّةَ بِقِيَمِ النَّزاهَةِ والمَسْؤولِيَّة...
إنّ استنطاق التجربة السياسية العلوية في ميزان الدولة الحديثة يتجاوز حدود الاستذكار العاطفي ليدخل في صميم الهندسة البنيوية لكيان الدولة التي أرادها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أمةً شاهدةً ومؤسسةً للعدل، حيث تبرز الرؤية التي خطّها الإمام علي بن أبي طالب في عهده لمالك الأشتر كأول دستور متكامل يفكك الاشتباك بين سلطة الفرد و"حقوق الأمة، مستلهماً ذلك من قول أخيه وابن عمه المصطفى في حقه: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَدُورُ حَيْثُمَا دَارَ»، ليؤسس لمفهوم السيادة التي لا تُستمد من قوة السلاح أو ضخامة الجبايات، بل من قدرة النظام على ممارسة العدل الاجتماعي بوصفه الحصانة الوحيدة التي تجعل الدولة عصيّة على الاختراق والارتهان الخارجي في عالمٍ تتقاذفه الأمواج الإقليمية العاتية.
وهذه الرؤية تقتضي بالضرورة الانتقال من مفهوم الدولة الجابية التي تقتات على ثروات الأرض الناضبة، إلى فضاء الدولة الزارعة التي تدرك أن استقرارها الاقتصادي وتحرر قرارها السياسي ينبعان من تمكين المجتمع، تجسيداً لوصية الإمام لعمّاله: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ»، وهو ما يفرض تبني استراتيجيات وطنية شاملة تهدف إلى تحصين المفاصل السيادية عبر فك الارتباط بين الإدارة الفنية للمؤسسات وبين التجاذبات الحزبية المتقلبة، ومنح الهيئات الرقابية والمصرفية استقلالية واقعية تجعل من الكفاءة والمهنية المعيار الوحيد لإدارة الثروة الوطنية، مع التركيز المكثف على تنويع الموارد الاقتصادية عبر استثمارات ذكية في قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي لتقليل الاعتماد المفرط على تقلبات أسواق النفط العالمية، وبالتوازي مع ذلك تبرز أهمية بناء قواعد بيانات رقمية متكاملة تعزز الشفافية المطلقة وتسمح بمكاشفة الرعية بكافة الحقائق المالية والإدارية، مما يخلق بيئة من الثقة المتبادلة تزيد من تلاحم المجتمع خلف قرارات الدولة المصيرية.
ويتسع هذا الأفق السياسي ليشمل ثقافة المواطنة التي ترفع من شأن المسؤولية الفردية تجاه المصلحة العامة، حيث يتحول الفرد من مجرد متلقٍ للخدمات إلى شريكٍ في حماية الأمن القومي والاجتماعي، وهو ما يستدعي إعادة صياغة المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي لغرس قيم الرقابة الذاتية والنزاهة الأخلاقية التي جسدها الإمام علي في تعامله مع بيت مال المسلمين، لتكون هذه القيم هي الحارس الباطني الذي يسبق القوانين الوضعية في منع الفساد وهدر الموارد، وبناء مجتمعٍ واعٍ يدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة ترابطه الداخلي وقدرته على نبذ النزاعات الفئوية لصالح الهوية الوطنية الجامعة التي تنصهر فيها كل الانتماءات تحت سقف العدالة والمساواة، في حين يمتد دور الدولة ليشمل رعاية الابتكار العلمي والتحول الرقمي الشامل الذي يقلل من التدخل البشري في المعاملات الإدارية، مما يضيق الخناق على ممارسات الرشوة والمحسوبية ويخلق بيئة استثمارية جاذبة تعتمد المعايير العالمية في التنافسية والإنتاج، وتجعل من الكفاءات الشابة والمبدعة هي المحرك الأساسي لمشاريع الدولة الاستراتيجية الكبرى.
كما يتطلب تعزيز هذا المسار الحضاري صياغة عقيدة أمنية متطورة تقوم على حماية حقوق الإنسان وصون كرامته، انطلاقاً من المبدأ العلوي الخالد: «النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، مما يجعل من المؤسسة الأمنية درعاً يحمي الحريات العامة ويضمن استقرار السلم المجتمعي، وهو ما يمهد الطريق لممارسة دبلوماسية القوة الناعمة التي ترتكز على الثقل الثقافي والتاريخي للأمة، وتحول موقعها الجغرافي من "ساحة لتصادم الإرادات" إلى "ملتقى للحوار العالمي" ومنصة للتعاون بين الشعوب، حيث تسهم هذه الرؤية في خلق توازنٍ سياسي يجنب الدولة الانخراط في سياسة المحاور، ويمنحها القدرة على المناورة الذكية التي تحفظ مصالحها القومية العليا، بينما يظل الرهان الأكبر معقوداً على استمرارية الإصلاح وتطوير النظم التشريعية لتواكب المتغيرات التقنية والبيئية العالمية، بما يضمن حقوق الأجيال القادمة في الثروة والبيئة والحياة الكريمة، ليكون الحكم في جوهره أمانةً ثقيلةً تؤدى بحقها، وسيادةً مستمدةً من رضا الناس ورفاههم، وصرحاً منيعاً يبنى بالعدل والعلم والحكمة التي هي ضالة المؤمن ومعدن الدولة الفاضلة.
إنّ بلوغ هذه المرتبة من النضج المؤسسي يستوجب أيضاً الاستثمار في صناعة جيل جديد من القيادات الإدارية التي تتشبع بروح المسؤولية الأخلاقية والمهارة الدبلوماسية، متمثلةً بقول النبي (صلى الله عليه وآله): «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا»، لتكون هذه القيادات هي المدخل العلمي لإدارة الأزمات بمنطق المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي بدلاً من الانجرار خلف لغة الصدام والتوتر، بحيث يتحول العراق أو أي دولة تسعى للسيادة الذكية إلى "جسر حضاري" يربط المصالح الدولية ببيئة قانونية وأخلاقية مستقرة، تجعل من "خدمة الناس" هي المعيار الوحيد لشرعية الحكم وقوة السلطان، لتكون السيادة في نهاية المطاف ثمرة ناضجة لنظام داخلي محكم يقوم على سيادة القانون وترسيخ الحوكمة كفعل يومي مستمر يعيد للوطن هيبته ويجعل من النفط والسياسة طاقة متجددة للبناء والحياة، محققاً بذلك غاية الوجود السياسي التي اختصرها أمير المؤمنين بقوله: «لَا قُوَّةَ كَالْقُوَّةِ عَلَى مَنْعِ الظُّلْمِ، وَلَا عَدْلَ كَالْعَدْلِ فِي إِحْيَاءِ الْحَقِّ».



اضف تعليق