المثلُ يقول (عريسُ الغفلةِ) وانا أقول (مُواطنُ الغفلةِ) فانا لم أرَ أحداً في حياتي يتناقل الاكاذيب والأخبار المفبركة والتقارير المضلّلة كالمواطن العراقي الذي يبتلع الطّعم في كلّ مرّةٍ من دون ان يتعلّم من التجربة حتى القريبة، فاذا بالكذبة حقيقة نبني عليها رأياً وتحليلاً وموقفاً، لدرجة أَنّنا بِتنا نحلف برأس الكذبة بعد ان نصدّقها ونسلّم بها كما فعل ذاك الذي حلف برأس الحمار الذي تعاون مع زميله لقبرهِ من أجلِ حفنةِ مالٍ!.

وبذلك يكون المواطن العراقي يمكّن عدوّهُ منه ومن بلدهِ بنشرِ أكاذيبه، وصدق امير المؤمنين (ع) الذي قال {وَاللهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَعْرُقُ لَحْمَهُ، وَيَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَيَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ ماضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ}.

يكفي ان يُسرّب احدهم معلومةً كاذبةً واحدةً ليتلاقفها الآخرون كحقيقةٍ فينشرونها في كلّ مواقع التّواصل الاجتماعي!.

الى متى؟ الى متى نظلّ الظّهر المركوب والضّرع المحلوب لأكاذيب الأعداء والمغرضين وفبركاتهم التي باتت تدمّر عقولنا وتضلّل اتجاهاتنا وتقودنا الى المجهول؟!.

الى متى نظلّ نتناقل الاكاذيب والفبركات بلا رويّة وبلا تدقيق وبلا تثبُّت؟!.

الى متى نظلّ ننشر كل ما يصلنا في وسائل التّواصل الاجتماعي؟!.

الى متى نظلّ ننشر ما يصلنا حتى قبل ان نطّلع عليه ونقرأه او نسأل عنه فيما اذا كان صحيحاً ام لا؟ وفيما اذا كان من المصلحة نشرهُ ام لا؟.

لقد استوقفني جوابُ المرجع الأعلى على سؤالٍ يقول؛ هل يجوزُ نشرَ الاحاديثِ التي تصلني ولا أَعْلَمُ انّها موجودة في مصادرِنا او انّها غير موجودة؟ فكان الجواب [لا يجوزُ، بل حتّى الموجود في المصادر لا يجوزُ النَّشر في الوضع الحالي الا مع التَّأَكُّد من عدمِ مَساسهِ بكرامةِ اهل البيت (ع) وثوابتِ المذهبِ والمصلحة العامّة، وهذا خاصٌّ بالعلماءِ واهلِ الخبرةِ].

وللأسف فانّ هذا الثّلاثي الاستراتيجي [الكرامةُ والثّوابت والمصلحة العامّة] هي الغائب الاكبر في عمليّة النّسخ واللصق التي تتكرّر من قبلنا ربما آلاف المرات يومياً، وذلك بسبب تجاوزنا لأهلِ الخبرة في هذا المجال، والذين اوصانا الله تعالى بالرّجوع اليهم بقولهِ {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}.

وانّ أَسوء ما تنتجهُ هذه العمليّة هو نشر آراء قديمة جداً لشخصيّات عامة حول قضايا دينيّة ساخنة، ما يسبّب تعرّضها لانتهاك الحرمة والتعرّض للهجوم والتّسقيط! في الوقت الذي نعرف جيداً انّ من الممكن جداً ان تكون قد اجتهدت وغيّرت رأيها او على الأقل تراجعت عَنْهُ وتوقّفت، فَلَو كان النّاشر صادقاً لماذا يُمارس التّضليل والتّدليس فينشر الرّاي الاول ولم ينشر آخر رأيٍ لهذه الشّخصية او تلك؟!.

امّا على صعيد السّياسة، فلم أر شعباً يستغلّ كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ للتهجّم على سمعة بلاده والحطِّ من كرامتهِ كالشّعب العراقي.

انّهُ يتلقّف ايّة معلومة، وعادة ما تكون كاذبة الغرض منها تضليل الرّاي العام، للطّعن في بلادهِ والانتقاص من كرامته، كما حصل ذلك مثلاً ويتكرّر دائماً، خلال اليومين الاخيرَين عندما اشتعلت وسائل التّواصل الاجتماعي بكلّ سَيِّئَة وموبقةٍ باخبارِ حضور وفد جمهورية العراق برئاسة السيد رئيس الجمهوريّة الدّكتور فؤاد معصوم لقمّة المناخ المنعقدة في العاصمة الفرنسيّة باريس، تلتها التّعليقات على تصريحات وزير الدفاع الأميركي في شهادتهِ امام الكونغرس بشأن عزمهِ ارسال قوّات خاصّة الى العراق.

التّصريح في واشنطن الا ان تعليقات العراقيين جاءت ضد بغداد!.

والتّصريحات جاءت على لسان مسؤول أميركي الا ان تعليقات العراقيّين صبَّت جامَّ غضبِها على الحكومة!.

طبعاً لم يتناقل العراقيون ابداً بيان الحكومة العراقية بهذا الصّدد، والذي كان صريحاً وواضحاً وشجاعاً ووطنيّاً وواقعيّاً، لان الذي يغذيهم بالمعلومة ليتداولونها تعمّد ذلك، فهو تعمّد نشر تصريحات الوزير وتعمّد في نفس الوقت إِخفاء بيان الحكومة! ولَك الان ان تتخيّل مدى حجم التّضليل الذي يُمارسه المغرِضون ضدّنا!.

طبعاً هو، المُغرِض، ليس العلّة فهو يؤدّي دورهُ المرسوم له، انّما العلّة فينا نَحْنُ الذين نبتلع طعمهُ في كلِّ مرّة لنمارس التّضليل على أنفسنا!.

امّا النّموذج الثالث [والذي لم أشأ الحديث عَنْهُ حتّى لا أُشارك في التَّرويج لهُ فينطبق عليَّ منطوق المقال! ولكن للضّرورة احكام كما يقولون] فهو عبارة عن خبرٍ كاذبٍ فبركهُ مغرضٌ في قلبهِ مرض يتعلّق بزيارةٍ مزعومةٍ لزعيم حزب الله اللبناني الى كربلاء ولقائهِ رئيس مجلس الوزراء الدكتور العبادي في العتبة الحسينيّة المقدّسة! فيستنتج المضلَّلون؛ النّتيجة التّالية؛ إِذن، لم تكن زيارة العبادي الاخيرة الى كربلاء للمشاركةِ في زيارة الاربعين وانّما للقاءِ الزّائر!.

ويطيرُ الخبر والتّحليل الاستراتيجي العميق جدّاً بسرعة البرق ليحطَّ في كلّ مواقع التّواصل الاجتماعي!.

تصوّروا كم نحن سُذَّج وكم هي خفيفة عُقولنا لدرجةٍ انّنا نصدّق الكذبة ثم نبني عليها رأياً وموقفاً وتحليلاً!.

انّ عدوّنا اللّدود الاول هو الجهل والسّذاجة والغفلة، فتعالوا نحاربها بكلّ ما اوتينا من أسباب العقل والوعي والعلم والمعرفة.

البداية تكون بوقفِ النّشر فوراً لكلّ ما يصلنا عبر وسائل التّواصل الاجتماعي، ثم نتساءل قبل ان نقرّر النشر او التوقف؛

*هل انّ الْخَبَرَ صحيحٌ؟!.

**اذا كان صحيحاً، هل من فائدةٍ ما تُرتجى من نَّشرهِ؟!.

***ايّ النسبتَين أكثر؟ نسبة الفائدة بنشرهِ؟ او نسبة الفائدة بعدمِ نشرهِ؟!.

****اخيراً، هل من المصلحة نشرهُ اذا كان صحيحاً ١٠٠٪‏؟!.

وتذكّر دائماً الثّلاثي أعلاه قبل ان تنشرَ ايَّ شَيْءٍ.

امّا اذا شككتَ في صحّتهِ قيدَ انملةٍ فلا تنشرْهُ ابداً، وتذكّر دائماً قول الله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.

أيّها المواطن أيّتُها المواطنة؛ لا تحمِل مِعولاً تحطّم فيه بلدك! لا تحمِل فأساً تكسر فيه رأسكَ، فمن لم يحترم بلدهُ لا ينتظر ان يحترمهُ الآخرون ابداً، وإذا اخطأَ أَحدُ السياسيّين وأَهان العراق فلا تعينهُ على ذلك بنشرها والتّرويج لها!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0