بعد التصعيد العسكري الأخير من الجانب التركي بإسقاط طائرة روسية حربية كانت على مسافة قريبة من أراضيها المشتركة مع سوريا، حان دور المساعي الهادفة الى التهدئة وعدم الانجرار وراء تأزيم المواقف، دعوات انطلقت من الولايات المتحدة الامريكية وألمانيا وفرنسا وحلف الناتو والأمم المتحدة...

روسيا بطيعة الحال كانت منفعلة وغاضبة من التصرف التركي الذي اعتبرته "طعنة من الخلف لشركاء الإرهاب" وقد اتخذت وقت اعلان سقوط الطائرة مجموعة من الخطوات ضد تركيا كنوع من التعبير عن استيائها، في حين أعلن وزير الخارجية الروسي، لافروف، ان روسيا ستعيد تقييم علاقتها مع تركيا بشكل جدي، على الرغم من اعلان ترتيب لقاء سيجمعه بعد أيام مع وزير الخارجية التركي للتباحث حول إمكانية احتواء الخلافات.

كثر يتساءلون عن موقف الرئيس الروسي، بوتين، الذي اختير كأقوى قائد سياسي في العالم لثلاث سنوات متوالية، وما هي ردة فعلة المتوقعة امام تركيا، سيما وانه (بوتين) لم يخسر أي نزال خاضه خلال فترة حكمة التي شملت أربع او خمس حروب فاز بها، وكان اخرها شبه جزية القرم وأوكرانيا، ويرى مراقبون ان بوتين مجبر لاتخاذ موقف يحافظ فيه على هالة القوة التي يتمتع بها على المستوى الداخل والخارجي، وبين تصعيد المواقف الذي قد يجر الى حرب مع حلف الناتو.

فيما يتساءل اخرون عن الرابح من الضربة التركية للطائرة الروسية؟ هل هي تركيا ام روسيا ام طرف ثالث؟ وهل ستؤدي هذه الضربة بما تضمنته من رسائل مباشرة الى اضعاف الدور الروسي ام اضافة المزيد من القوة اليه؟

هذه الأسئلة وغيرها تولدت بعد الحادثة، وما زال الجميع يراقب بدقة التصرفات والخطوات التي تصدر من الطرفين لمعرفة الإجابة على هذه التساؤلات او قسم منها.

لكن فيما يبدو ان روسيا لن تنتظر طويلا للتحرك نحو رد الاعتبار، الموقف الروسي ومنذ البداية كان واضحا من خلال تحركات بوتين الطامح لإعادة نفوذ روسيا في منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، والتي خسرها لصالح دولا أخرى، سيما وان لروسيا مصالح اقتصادية وامنية وسياسية حيوية في البعض منها لا يمكن ان تتنازل عنها بسهولة، والامر شبيه بما جرى في ازمة شبه جزيرة القرم.

ربما ستعمل روسيا على استخدام هذه الضربة من اجل تقوية نفوذها في المنطقة، بدلا من الانتقام على عمل عسكري محدود بعمل مشابه او ضربة جوية مثلا، فقد تعمل روسيا على الاستفادة القصوى من هذا الحادث بصورة مثالية... وقد تحركت روسيا فعلا بهذا الاتجاه من خلال:

- مهاجمة مناطق النفوذ التركي التي تعتبرها (مناطق حمراء) كمنطقتي جبل الأكراد وجبل التركمان، التي بدء القصف المركز عليها بعد ساعات من اسقاط الطائرة... برا وبحرا وجوا، كما ان الجيش السوري تقدم باتجاه القرى القريبة منها مدعوما بالطيران الروسي، لمقاتلة الجماعات المسلحة التي تدعمها حكومة اردوغان.

- فرصة لزيادة التسليح الروسي في المنطقة (كما ونوعا) لدواعي الحفاظ على امن المقاتلات الروسية بعد تعرضها لهجوم من الاتراك، وقد أعلنت وزارة الدفاع الروسي نقل أسلحة جديدة الى سوريا منها نظام (اس-400) المتقدم للدفاع الجوي إلى قاعدتها الجوية في محافظة اللاذقية.

- التحرك نحو توسيع قاعدة مشاركتها في مكافحة الإرهاب العالمي عبر مساعدة المزيد من الحلفاء، وهو عرض تم تقديمة الى مصر عبر وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، الذي اكد للسيسي "نحن نعرف جيداً مشكلة الإرهاب الحادة في مصر، ومن المفزع أنه في شبه جزيرة سيناء، يعمل فرع تنظيم (داعش) المسمى بـ(ولاية سيناء)، الذين تلطخت أيديهم بدماء المئات من الضحايا الأبرياء، بما في ذلك ضحايانا.. نحن مستعدون للتعاون بشكل وثيقٍ مع مصر في مكافحة هذا الشر"... إضافة الى رغبتها بتوسيع ضرباتها الجوية في العراق أيضا، إذا ما رغبت الحكومة في بغداد التعاون مع روسيا التي تشترك معها إضافة الى إيران وسوريا بالتحالف الرباعي.

- التواصل مع الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وباقي دول (التحالف الدولي) لإقامة جبهة عالمية مشتركة لمحاربة تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى، وهذا يعني الاعتراف الرسمي بدور روسيا المحوري في محاربة التنظيمات المتطرفة عالميا.

اغلب الظن ان التحركات الروسية القادمة ستعمل على تقوية نفوذها في المنطقة بدلا من التركيز على ردود الأفعال التي قد تفقدها الأرباح الاستراتيجية لتحقيق مكاسب انية، وهذا ما لا تعمل على تنفيذه سياسية بوتين في الشرق الأوسط على المدى القريب والمتوسط.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0