يعد القضاء ابتكارا إنسانيا يعمل من خلال قوانين وضعية وأعراف اجتماعية أنجزتها ارادة عامة لفض النزاعات بين الناس لتكريس العدل بين الناس وحماية الحقوق والحريات، ورفع الظلم الذي يلحق بأي مواطن من السلطات أو المجموعات أو المؤسسات العامة منها والخاصة وغيرها وتعويض المتضررين بما يتناسب مع حجم الضرر ونوعه؛ أي بعبارة أخرى، إن القضاء يسعى إلى احتراف الوصول إلى العدالة الدنيوية في أحكامه، التي تعد الميزة الكبرى لأي نظام قضائي فاعل([1]).

ولا يمكننا أن نتصور إمكانية نهوض القضاء بأمانة العدل، دون تأمين الاستقلال الفعلي والكامل له؛ فالقضاء المنزه الموثوق الذي هو شرط أساس للدولة القانونية ولمسيرة التنمية والتطوير والتحديث يجب أن يبقى مستقلاً بعيداً عن المؤثرات والمداخلات من أي جهة أتت، ومن أي نوع كانت.‏ وعند هذا المفصل يمكن تحديد مدلول استقلال القضاء بكونه "استقلاله كمؤسسة ويتجسد ذلك في استقلال القضاء اداريا وماليا، كما يتجسد ذلك في سلطة اتخاذ القرار".

وهذا ما تكرس كمبدأ دستوري على قدر تعلق الامر ببلدنا العراق طبقا لدستوره النافذ لسنة 2005، اذ يطالعنا نص المادة (19) الذي أكد إن (القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون). ثم جاءت المادة (88) من هذا الدستور لتوسع من نطاق هذه الاستقلالية بالنص على ان (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء او شؤون العدالة)، ثم بترصين هذه الاستقلالية أكثر في المادة (97) من الدستور بالنص على ان (القضاة غير قابلين للعزل الا في الحالات التي يحددها القانون كما يحدد القانون الاحكام الخاصة بهم وينظم مساءلتهم تأديبيا). والحال ان هذه النصوص قد وسعت من مظاهر استقلال القضاء العراقي بحيث منعت السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والسلطة التنفيذية من التدخل في القضاء او شؤون العدالة بأي شكل من الاشكال، وبهذا التطور المهم اصبحت السلطة القضائية في العراق تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية من الناحية الدستورية النظرية، وباعتماد منطق المخالفة يطالعنا لفظ (التسييس) كنقيض موضوعي لاستقلال القضاء وضمان حياديته والذي يقصد به "عملية إضفاء صفة سياسية على موقف معين ليس له بالأصل هذه الصفة". وتسييس القضاء من أبرز مسببات الأحكام الجائرة المجانبة للعدالة القانونية الوضعية والمحرفة للتشريعات. ويعود تسييس القضاء في أحد أهم أسبابه غير الشخصية إلى إصدار أحكام لخدمة أغراض السلطة التنفيذية، أو جهة سياسية متنفذة بالتعرض لضغوط منها أو إغراءات.

وتنبثق ظاهرة تسييس القضاء في الغالب من مفصلين رئيسين اولهما التدخل في تشكيل السلطة القضائية بصورة تخدم توجهات السلطة السياسية ومصالحها، وهذا ما تحقق على ارض الواقع، منذ انطلاقة تجربة القضاء في العراق مع قيام الدولة الوطنية فيه في ظل دستور 1925 وصولا الى وقتنا الحاضر، وحسبنا مراجعة بسيطة لأمر تشكيل المحكمة الاتحادية العليا الذي استند على القسم الثاني من ملحق قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي خول مجلس الوزراء السلطات الممنوحة له في هذا القانون في تعيين اعضاء المحكمة الاتحادية العليا على ان يتم تصديق ذلك من قبل رئاسة الدولة في الحكومة الانتقالية المنتخبة.

وبالفعل صدر امر رئيس مجلس الوزراء رقم (30 لسنة 2005) القاضي بتشكيل المحكمة الاتحادية العليا في العراق. وفي هذا التخويل تحققت اولى المطبات السياسية لعمل القضاء بإخضاع تشكيل هذه المؤسسة المهمة لإرادة السلطة التنفيذية وتجاذبات آلية المحاصصة والتوازنات الحزبية التي ابتليت بها الدولة العراقية الجديدة بعد عام 2003 بما يشكل سلباً لإرادة الشعب المتمثلة بالهيئة المنتخبة من قبله وحقه في اختيار قضاة هذه المحكمة.

وحتى تشكيلة المحكمة الاتحادية في ظل الدستور النافذ المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة / 92 باعتبارها [ هيئة قضائية مستقلة مالياً وإدارياً ]،، لم تسلم من النقد الممزوج بنزعة الخشية من الانسحاب الى التسييس؛ فكونها (هيئة قضائية) حصراً (محكمة)، يعني أن أعضاء هذه الهيئة هم من (القضاة)، وبالتالي فإن حق التصويت على قرارات (المحكمة) سيكون هو الآخر منوط بأعضاء المحكمة من القضاة حصراً طبقاً للنص المذكور، وأي تفسير آخر يعطي لغيرهم من خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء في القانون، من المذكورين في نص الفقرة (ثانياً) من المادة/92 نفس الحق المذكور، على أساس أنهم أيضاً وطبقاً لنص الفقرة (ثانياً)، أعضاء في نفس الهيئة، ولهم ما لغيرهم من القضاة من الحقوق، وبالتالي يمكنهم من ممارسة حق (الاعتراض) أو (الفيتو) لأي من القرارات التي تتخذها الهيئة، وهذا ما سيحقق الازدواجية في هوية هذه المحكمة من جانب بين التوجه القضائي والاستشاري، ويفتح ابواب الاجتهادات والتأويلات المختلفة لجهة تعارضها مع ثوابت الاسلام ومتطلبات الشريعة لتكون مدخلا للتأثير في قرارتها واخضاعها للمساومات السياسية تحت هذا البند.([2])

وهكذا لم تكن السلطة القضائية في العراق الجديد ممثلة بأعلى محكمة فيها (الحكمة الاتحادية) ومنذ بداية تأسيسها بعيدة عن دائرة التسييس على مستوى البنية والتشكيل.

وكان هذا بدوره سببا في انسحاب اهم قرارتها الى دوامة التسييس وخدمة اغراض السلطة السياسية بشطريها (التنفيذي والتشريعي). وما قراراتها الشهيرة بشأن تفسير المادة 76 من الدستور بخصوص مرشح الكتلة الاكثر عددا.([3]) وقرارها الاكثر جدلا وقربا من دائرة العمل السياسي بخصوص ربط الهيئات المستقلة برئاسة مجلس الوزراء – خلافا لصريح المادتين (102، 103) من الدستور([4])، وخلافا لقرارها الصادر عام 2008، بذريعة "ان الصفة التنفيذية تغلب على عملها" (([5]؛ الا ادلة واضحة على خضوعها لتأثير السلطة التنفيذية وقربها من توجهاتها؛ حتى ان رئيس اتحاد الحقوقيين العراقيين رأى ان "المشكلة في العراق قضائية وليست سياسية لان أغلب المشاكل صنعتها التفسيرات المزاجية لهذه المحكمة".

وبفرز مخرجات وتأثير ما تقدم من مظاهر لتسييس القضاء على حقوق الانسان وحرياته الاساسية يمكن القول انطلاقا من قاعدة الاقرار بالارتباط الحتمي بين القضاء وحقوق الانسان، بكون النظام القضائي المستقل يُشكّل الدعامة الرئيسية لدعم الحريات المدنية، وحقوق الإنسان، -على حد تعبير اعلان مؤتمر القاهرة الثاني للعدالة العربية في 2003 - إذ يستحيل على الأفراد أن يأمنوا على تلك الحريات أو يمنعوا الاعتداء عليها دون وجود تلك الأداة التي تحمي تلك الحريات. وهذه الحقوق تعد من الحقوق الطبيعية للإنسان التي تلتصق بشخصيته ([6]).

بل ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في ظل غياب حكم القانون، لان المجتمع الديمقراطي هو مجتمع سيادة القانون، والعكس صحيح تماماً.([7])

فاذا كان القضاء نهبا لإرادة وتوجهات السلطة التنفيذية من حيث النظرية العامة، فأن هذه السلطة بما تملك من صلاحيات كبيرة لتنظيم حقوق الأفراد وحرياتهم فقد تنتهك هذه الحقوق بما تصدره من لوائح وأوامر أو تعليمات وما تتخذه من إجراءات حتى تصبح تصرفاتها مصدراً للظلم والشكوى من قبل الأفراد. وفي هذه الحالة لن يأمن الأفراد على أنفسهم بدون وجود قضاء مستقل ومحايد وعادل يدافع عن المظلوم ويقوم بإعلاء كلمة القانون. اذ يقوم القضاء بهذه المهمة عن طريق الرقابة على أعمال الإدارة (رقابة المشروعية)([8])، حيث تناط مهمة مراقبة أعمال الإدارة إلى القضاء الذي يتوافر فيه كل مقومات الاستقلال والحيدة التامة وبذلك تعد ضمانة أساسية تحمي بها حقوق الأفراد وحرياتهم تجاه تعسف السلطة التنفيذية إذا ما جاوزت حدود صلاحياتها وبالتالي إجبارها على احترام القواعد القانونية([9]).

وان كان القضاء يقع تحت طائلة تأثير السلطة التشريعية المسؤولة عن وضع قواعد عامة مجردة لا شأن لها بالتطبيق في الحالات الفردية، مما يعني تراجع نسبة الخطورة على حقوق الانسان وحرياته لسببين اولهما انها السلطة المؤلفة من ممثلي الشعب، وثانيهما لعدم وجود الاحتكاك المباشر بينها وبين الشعب من جانب التجاوزات التي تحصل على الاعم الاغلب نتيجة سوء التطبيق للقوانين وليس صياغتها. ومع هذا كله يمكن لهذه السلطة (التشريعية) أن تكون مصدر اعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم وذلك بخروجها عن الأحكام العامة للدستور، ويتم ذلك عندما ينص الدستور على حق من حقوق الأفراد، فيمكن للمشرع العادي أن ينتهكها أو يعتد عليها عن طريق إصدار أي تشريع أو قانون يتضمن الحد من هذه الحقوق أو الانتقاص منها أو مصادرتها سواء أكانت مصادرة كلية أم جزئية. ومن هنا كانت الرقابة القضائية على دستورية القوانين من أكثر الضمانات فاعلية لحماية الحقوق والحريات عن طريق قيامها بإلغاء أي تصرف أو الامتناع عن تطبيقه إذا ما توضح لها مخالفة القانون؛ فهذه الرقابة تكون لهم سلاحاً فعالاً يستطيعون بمقتضاه الالتجاء إلى جهة مستقلة محايدة وتتمتع بضمانات فعالة يتمكنون من خلالها المطالبة بإلغاء القرارات والقوانين المخالفة للقانون والمطالبة بالتعويض عنها.

ومع غياب مثل هذا السلاح الرقابي على سلطة البرلمان او انحرافه، فليس ثمة ضمانة بوجه تحول هذه المؤسسة ومريديها الى مؤسسة لإنتاج دكتاتورية النخبة او فسادها بل وتحولها الى تنظيم مافيوي لإدارة المصالح الخاصة لأعضاء البرلمان بعيدا عن رقابة القضاء او حتى بالتعاون معه كما حصل في الدول الشمولية، عندئذٍ تكون حقوق الانسان وحرياته الحلقة الاضعف في هذه المفسدة الكبرى؛ فتارة يجري التجاوز على هذه الحقوق من جانب القوانين التي تتجاوز عليها لتكرس وضعا غير دستوري، وتارة اخرى عندما يفتقد المواطن الدور الرقابي لهذه المؤسسة على تجاوزات السلطة التنفيذية ثم يضيع تحت هذا الركام ملاذه الاخير بنصرة القضاء ودعمه.

وفي حال كهذه، ستمارس السلطة حينها مزيداً من العنف بأجهزتها القمعية تحت غطاء قانوني وبمساندة قضاة فاسدين لإرغام المواطنين على الخنوع والذل، وهكذا كلما تشبثت السلطة المستبدة بالحكم تداعت أكثر سلطة القانون وبتعاظم نفوذها في أجهزة الدولة يفسد الجهاز القضائي على نحو كامل. وعندئذٍ يجرد المواطن من سلاح القانون ويصبح أعزل فيضطر إلى حيازة سلاح آخر للدفاع عن كرامته ضد سلطة مستبدة وقضاء تابع ومسيس وبذلك لم يعدّ الوطن وطناً وإنما سجناً يحرسه رجال السلطة متسلحين بسياط القانون لقمع المواطنين التي تتناثر أشلاء حقوقهم في أجواء هذه المجزرة العظمى من جانب السلطة بكل فروعها.

وهكذا تتضح اهمية وخطورة الرسالة التي يتحمل مسؤوليتها القضاء في حماية حقوق الإنسان، لأن الفرد لا يطمئن على حقوقه إلا عند وقوفه أمام قضاء قوي مستقل. ولذلك وصف القضاء بحق بأنه الحارس الطبيعي للحريات؛ فكلما كان القضاء قوياً متطوراً ومستقلاً وبعيداً عن التدخلات والتأثيرات الخارجية كلما كانت الحقوق محمية ومصونة.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

....................................
مراجع معتمدة
[1] د. سمير عميش، تسييس القضاء أشد ظلما من تسييس الدين، مقال منشور على موقع السوسنة الالكتروني بتاريخ: 18/12/2012
[2] باقر الفضلي، العراق: إشكالية المحكمة الاتحادية العليا..، الخميس 30 أغسطس/آب 2012
[3] ضياء السعدي، المحكمة الاتحادية العليا بين التشكيل الدستوري والحق في ممارسة الاختصاصات القانونية، مقال منشور في جريدة الزمان
[4] دستور جمهورية العراق لسنة 2005
[5] يأخذ بعض فقهاء القانون على قرار المحكمة الأخير بأنه جاء بناءا على بيان رأي قدمه "مكتب رئيس الوزراء"، لكن رد المحكمة جاء على شكل قرار ملزم وهذا غير جائز قانونيا لان الطلب كان بيان رأي، والشيء الآخر هو ان مكتب رئس الوزراء لا يتمتع بالشخصية المعنوية اللازمة للتقدم بالطلب من المحكمة، ولو كان الطلب من مجلس الوزراء لم تكن هناك مشكلة قانونية لتمتعه بالشخصية المعنوية: ينظر عدي مهدي، مساعٍ لحل المحكمة الاتحادية العليا، بغداد | 17.02.2011.
[6] خليل وحيد بكرى، القضاء وحقوق الإنسان
[7] د. محمد الطراونة، سيادة القانون بين النظرية والتطبيق
([8]) جعفر صادق مهدي – ضمانات حقوق الإنسان – رسالة ماجستير – كلية القانون – جامعة بغداد – ص 70.
([9]) كريم كشاكش – الحريات العامة في الأنظمة السياسية المعاصرة – منشأة المعارف -الإسكندرية – 1987 – ص 477.
..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0