منذ العام 2003 وبعد إزاحة نظام صدام حسين وتشكيل مجلس الحكم الانتقالي بقيادة الحاكم المدني الأمريكي بول برايمر، وصياغة الدستور والتصويت عليه، وتشكيل أول حكومة عراقية منتخبة عام 2006، وبعد عقد اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية، وحتى انسحاب القوات الأمريكية بداية العام 2011، شهد العراق تقلبات سياسية وأمنية واقتصادية، وصراعات طائفية وحزبية، وأزمات متلاحقة. هذه التقلبات ربما تعزى لسبب واحد يلخص كل أسباب عدم الاستقرار، وهو غياب الإرادة الوطنية الحقيقية، والتي بدورها غيبت المشروع الوطني في قيادة الدولة العراقية.

وفي الوقت نفسه ومع تصور كل السيناريوهات التي تدور في ذهن الإدارة الأمريكية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الذين أسقطوا نظام صدام حسين لم يتخيلوا بأن الدور الإيراني سيفوق دور واشنطن فيما بعد وسيجهض المشروع الذي أتت به إدارة بوش إلى العراق.

الولايات المتحدة أخطأت كثيراً في بدايات تأسيس الدولة العراقية بعد العام 2003، وانسحبت من العراق وهي مدركة جيدا لأخطائها الاستراتيجية؛ لأنها لم تبادر منذ البداية إلى إحلال الأمن ودفع عجلة التقدم والتنمية السياسية والاقتصادية العراقية في بداية دخولها للعراق، وإنما بادرت إلى إحلال الفوضى وفق تصورها السياسي والاستراتيجي بما يسمى بنظرية الفوضى الخلاقة. إذ قال رامسفيلد في معرض رده على حملات الاحتجاج التي وجهت ضد إدارة الاحتلال في العراق بسبب وقفتها الصامتة، وغضها الطرف عن عمليات النهب والسلب والحرق والتخريب: "إن العراقيين ليسوا معتادين على الحرية، وهذه هي الفرصة الأولى لهم للتعبير عما يختلج في نفوسهم، وإن هذه العمليات "الفوضوية" "إيجابية وخلاقة وواعدة بعراق جديد".

هذا ما بنى عليه الأمريكان والإدارة الأمريكية استراتيجيتهم في العراق بعد العام 2003، مصرين على أن للشعب العراقي والقوى السياسية إرادة، وهذه الإرادة ستخلق لهم نظاماً سياسياً ديمقراطياً يستطيعون من خلاله الاندماج في حكومة وطنية تضم الجميع، وهذا النظام لم يأت إلا بعد تلك المرحلة الفوضوية التي عاشها العراق والعراقيين على مدار الـ10 سنوات الأولى أو وفق ما يسميه الأمريكان بنظرية "الصبر الاستراتيجي"، وهي أن يجد العراقيون نظاما ديمقراطياً بعد مرحلة الصراع والفوضى، وأن الإدارة الأمريكية ستصبر لحين انبثاق ذلك النظام، أو أن ترسم لهم واشنطن نظاما معينا، إلا أن الصراع السياسي في العراق لم يصل بعد إلى نقطة النهاية أو إلى الطريق المسدود، وعلى ما يبدو بأنه سيستمر لسنوات طويلة، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للدولة العراقية ولاسيما في الجانب السياسي والأمني والاقتصادي، وظهور تنظيم "داعش" بقوة على الساحة الإقليمية والداخلية وتهديده للأمن القومي العراقي والمصالح الأمريكية في المنطقة.

حاولت الإدارة الأمريكية بعد ظهور تنظيم "داعش" أن تستخدمه كورقة ضغط على الحكومة العراقية في تعجيل الاتفاق السياسي وإنهاء الصراع المحتدم بين القوى السياسية وإيجاد مشروع وطني حقيقي جامع للكل برؤية مشتركة يستطيع قيادة الدولة العراقية في المستقبل. وهذا بالفعل ما استخدمته الإدارة الأمريكية بعد اجتياح "داعش" لمحافظة الموصل، إذ اشترطت مساعدتها العسكرية إلى العراق بتشكيل حكومة وطنية بعيدة عن ولاية المالكي الثالثة وجامعة للكل دون أن تقصي أحدا. وبالفعل تم ذلك، وشكلت الولايات المتحدة التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا في العام 2014. إلا أن فقر التحالف وعدم جديته في إنهاء التنظيم المتطرف ومحاربته بشكل فعلي في العراق، وتنصل الولايات المتحدة عن تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، والتنصل أيضاً عن تقديم الدعم العسكري واللوجستي الفعال للحكومة العراقية والقوات الأمنية، دفع إيران إلى استغلال الفراغ الأمريكي في العراق بشكل كبير، واستطاعت أن تقدم الأسلحة والدعم العسكري واللوجستي وإنزال المستشارين الإيرانيين إلى ساحات المواجهة ضد تنظيم "داعش"، لتتغير بعد بذلك المعادلة في المواجهة العسكرية ضد التنظيم، حتى استعادت القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي زمام المبادرة.

هنا التفتت الولايات المتحدة الأمريكية لاستراتيجيتها العسكرية في العراق وأصبحت تعي خطورة مرحلة مابعد "داعش" والسيطرة الإيرانية في تقويض مشاريعها السياسية والاستراتيجية على المدى البعيد؛ بسبب قوة النفوذ الإيراني في العراق وارتباط الكثير من الفصائل العراقية بآيديولوجيتها السياسية، فضلاً عن ظهور تنظيم "داعش" وتهديده للمصالح الأمريكية في المنطقة، بعدها أدركت واشنطن بأن هزم التنظيم في العراق يعني تسليم العراق على طبق من ذهب إلى إيران، وهو –بالوقت نفسه- تقويض لمشروعها السياسي والاستراتيجي، وفقدان نفوذها وسيطرتها على العراق؛ ولذلك عملت واشنطن وحلفاؤها في التحالف الدولي على احتواء "داعش" لضمان عدم تمدده، أو السماح له بالتمدد مع بعض خطوط المواجهة، الأمر الذي يسمح له بالمواجهة المباشرة ضد الحشد، لجعلها خطوط مواجهة مستمرة ومعارك استنزاف لكلا الطرفيين، مما أدى إلى التريث في حسم المعركة ضد هذا التنظيم الإرهابي في العراق؛ لكي تتفادى الولايات المتحدة ذلك الخطر.

إلا أن نقطة التحول في نمط التفكير السياسي والاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هو دخول روسيا لسوريا، وتشكيل التحالف الرباعي الإقليمي المتشكل من قبل (روسيا وإيران والعراق وسوريا). حينها أدركت الولايات المتحدة بأن الدب الروسي -فضلاً عن الدور الإقليمي لإيران- سيقوض سيطرتها واستراتيجيتها ليس في سوريا فقط وإنما في العراق والمنطقة، ولاسيما بعد المحادثات الروسية مع السعودية ومصر وبعض دول الخليج، وتحت ضغط الحكومة العراقية التي تطالب بتدخل روسي لضرب معاقل تنظيم "داعش" في العراق.

هذا التحول الفكري في التفكير السياسي والاستراتيجي الأمريكي لإعادة النظر باستراتيجيتها في العراق؛ خوفاً من خسارتها النهائية للعراق لصالح الدب الروسي وحلفائه، ربما يكون أحد سيناريوهاته المستقبلية "وقد يحصل في الوقت القريب"، هو أن تتدخل الولايات المتحدة بقوات برية في العراق، وأن تعيد الاحتلال الأمريكي بمسميات أخرى، سواء تحت مسمى إعادة الأمن للعراق ومساعدة القوات الأمنية العراقية وتدريبها لحفظ العملية السياسية أم محاربة تنظيم "داعش" وإنهائه بشكل فعلي، أو غير ذلك.

هذا السيناريو سيكون وفق رؤية أمريكية إصلاحية، مختلفة عن رؤية عام 2003، وسيحمل عدة تصورات منها: ربما ستحاول الإدارة الأمريكية - ولو بشكل خفي وسري - إقناع بعض التيارات والأحزاب الشيعية باستثناء الفصائل الشيعية أو التيارات التي ترتبط آيديولوجياً بإيران، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن كل القوى السياسية السنية والكردية ستؤيد تدخل الولايات المتحدة من جديد في العراق بقوات برية وقواعد عسكرية، وهذا ما نوه به البنتاغون "بأن التدخل البري في العراق مسألة واردة جداً".

هذا السيناريو إذا ضمن موافقة الأطراف المعنية بالمشهد السياسي العراق، ستعمل الولايات المتحدة من خلاله على ضرب الأحزاب الإسلامية التي فشلت سابقاً في قيادة الدولة، وستحاول أن تتخلص من كل الأسماء المتنفذة في العملية السياسية الحالية سواء تلك المتهمة بقضايا إرهاب أم المتهمة بالفساد وإهدار المال العام في إدارة الدولة. هذا يعني بأنها ستضرب الرؤوس السياسية المتنفذة والمسيطرة على المشهد السياسي العراقي، مستغلة بذلك أيضاً النفور الشعبي والجماهيري من هذه الأشخاص وأحزابها السياسية، وستسقطهم سياسياً. وستعمد إلى دعم أسماء ليبرالية جديدة أو حتى إسلامية متحضرة، ممن تمتلك رؤية ومشروعا وطنيا جامعا بعيدا عن الأجندة الخارجية، وأيضاً ستضخ دماء جديدة في العملية السياسية الحالية، وستعمل على دعم أسماء ليبرالية لا تتعارض مع رؤيتها في إدارة الدولة والحفاظ على مصالحها، وربما ستعمل من الآن على دعم بعض تلك الأسماء، إذ يتوارد الحديث عليها في الوقت الحاضر، ومن تلك الأسماء: "عماد الخرسان" الذي دار الحديث عليه مؤخراً بشكل كبير، وأنه سيتم تعيينه أميناً عاماً لمجلس الوزراء، قبل أن ينفي السيد العبادي ذلك.

هذا السناريو المستقبلي إذا ما حدث فعلاً، سيُواجه صعوبات وتحديات كبيرة، ومن أبرزها هي عمليات المقاومة التي تقوم بها بعض الفصائل الشيعية، أو تلك العمليات المضادة من قبل التنظيمات الإرهابية ضد الأمريكان، إلا أن الشيء المؤكد في هذا السيناريو هو أن الولايات المتحدة تعلمت واستفادت من أخطائها، وكذلك القضاء على تنظيم داعش وتأمين الحدود العراقية بشكل جيد مع دول الجوار ولاسيما الدول الداعمة للإرهاب، لكي لا يتكرر السيناريو الحالي. وقد يكون واحد من إفرازات هذا السيناريو هو تشكيل أقاليم فيدرالية بسلطة مركزية قوية. وستحاول واشنطن أن تعيد العراق إلى دوره الإقليمي والدولي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً؛ حتى يكون موازياً للدور الإقليمي والدولي في المنطقة.

هذا كلة في إطار التنبؤ المستقبلي للرؤية الأمريكية في العراق، في ظل التحديات التي ضربت الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، والتي أدت إلى تراجع الدور الأمريكي بشكل نسبي، ومنها دور روسيا الاتحادية وتدخلها في سوريا، ومحاولتها التدخل في العراق، ودور إيران الإقليمي، كذلك انتقاد دول الخليج وتركيا لدور واشنطن الضعيف حالياً، وظهور تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، وتعقد الأزمة السورية، وصعوبة التوصل إلى حلول سياسية بعد فشل الحل العسكري، وبوادر نهوض العملاق الصيني في آسيا الداعم للدور الروسي.

كل ذلك ربما يكون أداة ضغط قوية على واشنطن في فرض سيطرتها على العراق وإعادته إلى وضعة الطبيعي ودورة الإقليمي، فضلاً عن الضغوط العراقية الداخلية على واشنطن، وضغوط البيئة الداخلية الأمريكية على إدارتها في عدم خسارة العراق بعد كل ما قامت به واشنطن في العراق وصرفها لمليارات الدولارات، فضلا عن الخسائر العسكرية والبشرية في المعدات والأرواح. ولهذا فقد يكون هذا المشروع خياراً مطروحاً في قادم الايام من قبل الإدارة الأمريكية في ظل الفشل المتكرر للقوى السياسية في تشكيل حكومة وطنية ناجحة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، إلا أن "واشنطن" عليها أن تأخذ الضوء الأخضر من قبل الأطراف التي ذكرناها سابقاً، وأن تقنعها بسلمية وجدية رؤيتها السياسية اتجاه العراق.

وعليه، إذا ما إرادت القوى السياسية العراقية تفنيد هذا السيناريو أو أي سيناريو آخر، عليها أن تثبت ذلك في الوقت الراهن بمشروع وطني وإرادة وطنية حقيقية، واستجابة فعلية وفورية للمطالب الشعبية وتصحيح مسار العملية السياسية ومكافحة الفساد، والقيام بإصلاحات حقيقية شاملة لكل مفاصل الدولة العراقية بدون تردد وبعيداً عن كل الأجندة الداخلية والخارجية.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1