آراء وافكار - مقالات الكتاب

كنتاكي

كل مستبد، طاغية، دكتاتور، يريد ان يفكر بدلا من محكوميه، او مرؤوسيه، وليس من الضروري ان يكون المستبد رئيسا لدولة، فقد يكون مديرا لدائرة او مؤسسة او مدرسة او جامعة، او حتى فراشا يجلس على كرسي في باب المدير، او هلم جرا وجرا.

المستبد الحاكم، يحدد لك طريقة التعبير، ونوعية ما تريد ان تعبر عنه، وهو لا يكتفي بذلك، بل يحدد لك أحيانا نوع الأزياء التي ترتديها قسرا، او عن طريق الإيحاء منه او تقليده (كما في بدلة السفاري أيام حكم البعث العراقي قبل العام 2003، والتي كان يرتديها البعثيون بكثرة وانتقل هذا الهوس بها الى بقية افراد المجتمع العراقي، او الولع بالزي الخاكي او الزيتوني (وأيضا نلمسه لدى العراقيين حتى بعد انقضاء الحرب العراقية – الإيرانية التي تؤشر لولادته وولادة عسكرة المجتمع العراقي، وحتى بعد العام 2003 وان كان قد اقتصر في الوقت الحالي على أصناف المقاتلين).

وهو قد يطالبك بنوع معين من الطعام لتتناوله، قسرا او اختيارا، والاختبار هنا من باب المجاز فانت مضطر لذلك اضطرارا لا مهرب منه بحكم الأوضاع الاقتصادية التي فرضتها حروب المستبد الحاكم (كان الباذنجان هو الطعام الرئيسي لملايين العراقيين في فترة الحصار في التسعينات لتنوع طرق تحضيره ولتسيده المائدة وقد اكتسب لقب وحش الطاوة عند العراقيين).

تخبرنا الدراسات الانثروبولوجية، ان كل مادة غذائية قبل طبخها تمثل الطبيعة، والطبيعة في احد تعريفاتها (هي كل ما يوجد على الأرض، خارج الإنسان). لكنها بعد ان تصبح مطبوخة فإنها تمثل الثقافة.

وهي رحلة انتقال تتدخل فيها عوامل عديدة ليس اقلها تلك الخبرات التي راكمها شعب من الشعوب في مطابخه، لتحويلها من حالة الى أخرى، او تاثير ثقافات أخرى في ذلك، قد تكون انتقلت عن طريق الغزو او التجارة او أي طريق اخر من طرق التبادل الثقافي.

والطعام يعد مجالا أوليا لنقل المعنى، لأن تناول الطعام نشاط سياسي يتكرر باستمرار. كما يؤدي وظيفته بشكل فعال بوصفه نسقا من أنساق التواصل، لأن الناس من جميع أنحاء العالم ينظمون طرق تعاملهم مع الطعام في نسق يخضع لنظام مواز للأنساق الثقافية الأخرى ويبث فيها المعنى.

ولذلك بات الطعام يمثل بحسب الدراسات الأنثروبولوجية مرونة رمزية ثرية غير معتادة، فهو وسيط يمكن من خلاله عرض أيديولوجيات ثقافية شديدة التنوع وتتكون قواعد التعامل معه وفق تعبير غرامشي من «لغة» تحتوي على مفهوم محدد للعالم. (أنثروبولوجيا الطعام في المجتمعات المحلية العربية / محمد تركي الربيعو).

والطعام حسب سامي زبيدة في كتابه «مذاق الزعتر: ثقافة الطهي في الشرق الأوسط»، يعد علامة ثقافية بارزة حيال الحدود الاجتماعية، فقبل ظهور القوميات السياسية بمعناها الحديث، كانت هذه الحدود هي التي تميز بين الجماعات العرقية أو الدينية أو الجهوية. المهم أن ما يلفت النظر في رؤية زبيدة، أن هذا التمييز عاد في العقود الماضية ليغدو معبرا عن أزمة الهوية داخل الدول الشرق الأوسطية الحديثة بشكل عام.

من جانب اخر، حاولت الباحثة الهولندية انوك دي كونينغ في كتابها «أحلام عولمية: الطبقة والجندر والفضاء العام في القاهرة الكوزموبوليتانية» البحث في جغرافية الترفيه الراقي في القاهرة حيثما يتواجد المهنيون من الطبقة الوسطى العليا، والتي أخذت تروج لنمط جديد من الأطعمة مع نهاية التسعينات في القاهرة، عبر تقديم لوائح طعام غربي مثل سلطة سيزر وشطائر كلوب ساندويتش.

فقد أخذت محال الـ «كوفي شوب» والمطاعم الجديدة تنطوي على ادعاء بالانتماء الى العالم الأول. فتصميمها وقوائم الطعام فيها اتخذت من نظائرها في أمريكا نموذجا لها، وبذلك أصبح الذهاب الى مطعم مثل تشيللر خبرة جسدية حميمة تشير الى انتماء للطبقة الوسطى العليا، كما أخذت هذه المطاعم والكافيات تعيد رسم خرائط المتعة والاسترخاء وخطوط السير الحضرية التي تتأسس على هذه الخرائط.

من هنا يمكن ان نفهم ما تقوم به بعض السلطات المستبدة من منع او مطاردة الاختلاف في الأزياء او الأطعمة او وسائل التعبير وطرقه في الفنون، وجعل مجتمعاتها متشابهة في ما ترتديه او تتناوله او تعبر عنه، لان كل اختلاف يظهر الى العلن يمكن ان يشير وبقوة الى مطلبية التعدد والتنوع التي تصادرها تلك السلطات، حتى لو كانت عبر اكلة ليست من ثقافة ذلك المجتمع.

في الختام اود ان اشير الى ان تلك السطور ليس لها علاقة بإغلاق السلطات الإيرانية لمطعم "كاي.أف. سي" وهو أول فرع لمطعم الوجبات السريعة الأمريكية الشهير "كنتاكي" وذلك بعد مرور يوم واحد على افتتاحه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2