(حتى الحسين في ساعة حربه تلك، استحضر الجميل اليه، وجه جده، ووجه ابيه، ووجه امه، وكان وجه اخته امامه حاضرا كي يشهد صلاته)

 

ربما هو وجه تتذكره في ساعة من ظلام دامس يحيط بك، ربما هو ظلام الروح او ظلام الوقت، في زنزانة سجن او في سرير فارغ..

اكثر ماكنا نتذكره ونحن جنود أيام الحروب العبثية لقائد العراق الأوحد، هي الوجوه التي نحب، سواء وجوه امهاتنا وابائنا او وجوه نسائنا واطفالنا، او وجوه أصدقائنا، مع كل ما يأتي به هذا التذكر من حكايات وذكريات ونزوات وقلق ومحبة وشغف، هو قاب قوسين او ادنى، من احتضانه، او احتضارك..

كان الجميل يجيء رغم كل الحصار حولك، صوت القذائف المتساقطة قرب السواتر، او صوت الطائرات التي تخطف الروح، او صوت ازيز الرصاص يعصر قلبك كليمونة فوق طبق طعام تحبه..

كنت جنديا وقتها، في الحرب العراقية - الإيرانية، او انني كنت رقما آيلا للاندثار فيها، لافرق في محرقة الحرب، وكان واجبنا (كوحدة عسكرية تصنف ضمن مقاومة الطائرات)، مكلفة بحماية سد دوكان، وكانت ابنية معسكرنا تقع تماما فوق السد، من بدء البحيرة الى انتهائها بصورة نصف دائرية..

في أي وقت من يومك وانت ترتدي الخاكي، تقابلك بحيرة دوكان، والجبال المحيطة بها من الجهة المقابلة، وكانت الوانها تتخذ درجات متعددة بين اشراق او شحوب، تبعا لسقوط الشمس على تربتها وحجارتها..

كان الماء شديد الزرقة، يتحرك بهدوء نحو اطراف اليابسة، وكنت تسمع صوته هادرا بوضوح عند بوابات السد، حين يرتطم بها او يخرج منها..

وكنا نستيقظ مبكرين قبل ان تخيط الشمس اول خيط لها في السماء، فهي بعد لم تأخذ مغزلها وتديره، انظر الى البحيرة، لا شيء غير الظلام المخيف يلفها، والرغبة في اختراقها، لكني لا ابصر ابعد من ذلك، فالجبال لازالت تفرش عباءتها السوداء، تتغطى المياه بها، وربما تغطيني.

 طيلة اليوم انشغل بالأعمال المكلف بها، وبين كل ملل واخر، امد بصري باتجاه البحيرة، استدعي الانفعال بالجميل والتفاعل معه..

يقطع ذلك أحيانا صافرة الإنذار، لا نهرع الى الملاجئ، بل نبقى نؤدي اعمالنا، فقد تعودنا على تلك الصافرة، وفي الكثير من الأحيان يكون التجاوب مع الإنذار في مكان اخر بعيدا عنا.

أحيانا كنا نهرع الى الناظور الكبير والذي كان في اعلى نقطة من بنايا المعسكر حين نرى من بعيد حركة للناس المدنيين في القسم السياحي من المدينة، وكأننا حين ننظر اليهم عبر المنظار نمد خيطا رقيقا كي يجذبونا اليهم ونغادر اماكننا، نشاركهم لهوهم وضحكاتهم، ولا نعود نخشى رصاصة طائشة قد تقطع مد البصر اليهم، لأنك لا تخاف من موت يجيء بغتة اليك..

رغم بشاعة الحرب وقبحها الذي عشناه طيلة ثماني سنوات، الا اننا كنا نترك خطواتنا وهي تبحث عن الجميل المختبئ بين الزوايا لظل يمرق من الذاكرة، وبين الشقوق والفجوات التي تتركها القذائف على تربة الارض، او فوق قلوبنا التي لازالت تنبض فينا. ونردد مع البعيدين عنا حيث الشوارع المزروعة بالخطوات للذاهبين والقادمين:

بين قذيفتين

نختلس قُبلة رشيقة

وضعناها من قبل فوق أرفُف التأجيل

بين قذيفتين

ثمةﹶ مُتسع لكل شيء

الشاعر الليبي محمد سالم

هل كنا وقتها نقاوم كل هذا الخراب عبر بحثنا عن الجميل والوديع في ما يختبيء امامنا من خوف؟ لكن الجميل ايضا مثلنا يشعر انه مطارد او محاصر، كل ما علينا ان نبتسم له كي يشعر بالأمان لنسكنه في قلوبنا ووجوهنا ونرتله فوق شفاهنا..

كنت احيانا، حين لا تعود البحيرة ولا الجبال التي تحتضنها، قادرة على كسر روتين الايام ورتابتها بانتظار اجازتي الدورية، اذهب الى خلف البنايات لوحدتنا العسكرية، واشق طريقا نازلا الى بوابات خروج المياه من السد، ورغم خطورة المنحدر، والالغام المزروعة على مسافة من اثار خطوات سابقة، الا اني لا اكترث بذلك، فلحظة الجميل هناك حيث تنتظرني لا يمكن لأي قوة حتى الموت نفسه ان يجعلني اتراجع عن مصافحته واحتضانه.

ذلك الجميل صورته لا تفارق ذاكرتي رغم مرور كل تلك السنوات الطويلة، كنت اخذ مكاني فوق البوابات، جالسا على صخرة نحتتها اصابع عاشقة للطبيعة فوق منحدر الجبل، استمع الى صرخات الماء المكتومة خلف البوابات، انتظر انفتاحها لإطلاق سراح تلك الصرخات بوجه العالم، في لحظة ولادة للجميل لا تفارقني.

لا يخرج الماء بشكله الذي تعودت على رؤيته امامي في البحيرة، انه يأخذ في اندفاعته وهو يخرج هادرا، شكل البياض الناصع والفخم لندف الثلج وهو يطير فاردا اجنحته الى الاعلى، وبمجرد خروجه يتشكل فوق دفقه المستمر قوس قزح واحد او اكثر تبعا لاتجاه الشمس..

يا الله كم هي رائعة صورة هذا الجميل امامي، اشمه بأنفاسي، وتصافحني قطراته الطافحة بالفرح والسرور، افتح صدري وافرد ذراعي لاحتضانه، لكنه لايعبء بي، يشعر بالخوف من هذا الخاكي الذي ارتديه، ومن ذكريات الموت التي تنطبع عليه، وكأنه وهو يطلق صرخات اندفاعه يحتج على كل هذا القبح والخراب الذي يعتليه، او يحيط به.. لكنه يستمر باندفاعته حتى تعود صرخاته مكتومة خلف البوابات بعد اغلاقها من جديد..

هناك كان ثمة احلام تستيقظ، امرأة تستحم وسط الجميل امامي، او سماء اخرى أتنفسها، رغم حرائق الحروب المحيطة بي او المندلعة في روحي..

كانت الاحلام تمر من فوهات البنادق او الموت المتربص بنا، نحن وقود الحرب في اشتعالها، ورمادها حين نعود في توابيت، او بأعضاء مقطوعة من اجسادنا، لكننا رغم هذا وذاك، نحلم..

(رأيت الموت يركض ورائي

 كان يبحث عني

 قلت له : سلاما

 واختبأت

 كان يبحث عني

 وأنا كنت وراءه

 قحب بشع

 يبحث دائما عن مأوى).. الشاعر الإيطالي (فرانكو لوي)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1