تمنعني من الحياة ثم تقول لي، إبق هنا وأصنع الحياة، وكأنني طفل ساذج، أو راع غنم لايعرف سوى غنماته والأفق المجهول ويسرح فيهما معا ويتنفس منهما معا، ولايريد أن يغادر بعيدا لكنه يتخيل أنه يطير في أجواء بعيدة وتنفتح له السموات فيصل الى أقصى الأرض يسبح في الفضاء مع الغيمات، وينزل عند ضفاف البحار وعلى شواطئ الأنهار.

فوجئت بنفسي ولأول مرة وأنا أنصح بعض الشبان بالهجرة، فكرت في نفسي أولا، ها أنا لا أشعر بأمل ولا أجد لذة في عمل، ولا أبحث عن مستقبل، وهمي أن أواصل الحياة المملة وأعيشها كما هي فقد تقدم بي العمر، وصارت حياتي مسؤوليات متراكمة كريهة بشعة، فالسياسيون فاسدون، ولايملكون رؤية ولا قدرة ولا فهم لطبيعة الأحداث، ولايريدون أن يتعاطوا مع هموم الناس ومطالبهم المشروعة، والغالب منهم يفكر في همومه الخاصة، ويسعى للحصول على المناصب والمكاسب، وتحقيق طموحات منفصلة عن طموحات الناس البسيطة والمتواضعة.

حتى الخدمات الطبيعية والعادية كالماء والكهرباء وهي مسؤولية الدولة والجهات التنفيذية فيها صارت من ضمن قائمة الأمنيات، وهنا يفكر الشاب العراقي بطريقة متأنية ويتساءل مع نفسه، إذا كنت لا أجد خدمات المياه والكهرباء، ولا أجد عملا يحفظ لي كرامتي، ولا أعرف سبيلا الى المستقبل، وأجد الطرق كلها وقد سدت في وجهي، ولا رغبة لي بالزواج، فلمن أجي بأطفال جدد يضافون الى قائمة الناس الضايعين في وطن معذب لايمنح أبناءه إلا القهر والحزن والموت، ولماذا أعيش هنا حيث لا أجد عملا حقيقيا يجعلني أشعر بالأمل، وحتى لو وجدت العمل فقد يعترضني في الطريق إليه أشخاص ويسألوني عن ديني وطائفتي، وإذا تمكنت من الحياة وحققت بعض المكاسب وجمعت المال فقد يختطف أفراد عصابة إبنا لي، أو شقيقا، أو أن يختطفوني مقابل فدية كبيرة ليطلقوا سراحي، أو أن أضطر الى العمل ضمن مجموعة مسلحة فأهدد الناس وأتوعدهم وأرفض الآخر وأقصيه وأرفض شراكته معي؟

الحياة هي مجموعة متطلبات ونجاحات وبعض الفشل، وهي علاقات واضحة وصريحة وفرص تأتي وتروح، لكنها تتطلب الأمن والإستقرار في شؤون الإقتصاد والعمل، وإذا وجد الإنسان إنه غير قادر على المواصلة، وإنه لايستطيع تحقيق النجاح، ولايظفر بالإستقرار فحياته غير آمنة، ولاتستحق المجازفة، وعليه أن يبحث عن فرصة في مكان آخر.

مهاجر الى أمريكا

من حقك ياصديقي، فأنت تفكر في مستقبل أفضل لأولادك الذين أخذوا يكبرون وأنت تراهم عاجزين عن تحقيق أمل واحد، أو حلم صغير عجزت عن تأمينه حكومات متعاقبة تربعت على عروش ونقوش ولكنها حطمت نفوس وعقول وضمائر من أجل بقاء العروش، وماحصل في العراق خلال العقود الماضية مريع للغاية ومرهق للتفكير والوجدان فلم تنجح أية حكومة جاءت لقيادة هذا البلد في تحقيق منجز ما يريح الشعب ويوفر له ضمانات المستقبل الآمن لأجياله التي تبحث عن المزيد من الفرص كبقية الشعوب في هذا العالم، وكان تلك الحكومات تمارس العفرتة والبلطجة وتحمل الهراوات في وجوه الناس وتعذبهم وتمنع عنهم فرص الحياة الكريمة وتسخرهم لدوامها وبقائها، تصوروا إن تلك الحكومات تعمل جاهدة على وضع الشعب بكامله في دائرة الهيمنة المطلقة وتمنع عنه الحركة الملائمة لصناعة التغيير، ولم تكن مستعدة للتعاون مع المواطنين العاديين بل تمارس سطوتها على العامة وتصنع نخبة مرتبطة بها تعمل على مساندتها على الدوام وتحجب عن بقية الناس حقوقهم، وكانت ترفض أن تتيح لهم فرصة السفر الى الخارج إلا بشروط قاهرة كما حصل في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.

حصل صديقي على فرصة للهجرة الى أمريكا صحبة أبنائه الشبان وزوجته، كان قلقا حزينا واجما وهو يفكر في المستقبل، فهو يغادر وطنا تعوده، وفيه إمتدت جذوره بعمق الأرض التي لم تمنحه سوى الحزن، وربما دفن أعزاءه فيها لمرات ومرات في حروب وحصارات، لكنه يظل يحن إليها، مشتاقا لدوام العيش فيها صحبة من بقي من الأحبة، بينما ينظر الى أبنائه وهم سعداء متفائلين يأملون بغد مختلف في بلد مثل أمريكا طالموا سمعوا به وحلموا بالرحيل إليه، هو يفكر طويلا، ها أنا في وطني وقد أموت غدا وأتركهم الى مصير مجهول، في بلدي الذي تتناوشه عصابات الفساد، ويعبث فيه القتلة وحملة السلاح، وتتبادل فيه الأدوار مجموعات من الإرهابيين يحملون إسما مختلفا في كل مرحلة، فمن القاعدة الى داعش، ويا لها من بلوى، بلد يعيش تحت رحمة مجموعات من الفاسدين المفسدين والقتلة، والجماعات الإرهابية التي لاترحم ولاتفهم من لعبة الحياة سوى القتل والتدمير وهي تحمل شعارات جاءت بها من عمق الصحراء القاحلة، فصارت عقول أتباع تلك الجماعات صحاري لاحياة فيها، وهي لاتسمح بالحياة، فلماذا البقاء في وطن هو صحراء قاحلة وقاتلة وموغلة في الجفاف.

حين بدأت روحه تجف هنا، فكر في وطن بديل، وهو يهاجر الى أمريكا مع أبنائه لعله يجد لهم مستقبلا أكثر تفاؤلا وينقذهم، مفارقا الوطن آملا في العودة إليه حتى لو كان لوحده ليواصل الحياة بين أمريكا والعراق، وهو أمل يخبو في داخله كلما إقترب من بوابة مطار بغداد. يتذكر أغنية قديمة، ويظل يغني لوحده دون أن يسمعه من أحد.. آه يا أرض المطار.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4