"اختلاف أمتي رحمة"

رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم

تجارب الحياة تؤكد أن الاختلاف مصدر قوة يستفاد منها في مشاريع التنمية والتطور في المجالات كافة لدى الأمم والشعوب بما تضم من تعددية في الافكار والأعراق، فتكون عامل ايجابي وليس سلبي بالمرة عندما يكون التكامل والتلاقح في الافكار والثقافات هو الذي يدير هذا الاختلاف والتعدد.

أما الذي لم يخض هذه التجربة الحضارية التي نجحت على يد الرسول الأعظم في بدء نشوء الدولة الاسلامية، فانه ممن يعيش في شرنقة الخشية من الآخر على مصالحه وخصوصياته، ويتصور أن وجود المختلفين بالقرب منه يعني التخلّي عن خصوصياته وخسارة مصالحه، أو ربما يبتلى بأشخاص لا يفهمونه ولايفهمون افكاره، بينما العكس هو الصحيح تماماً.

كيف يكون الاختلاف مفيداً؟

عندما ينتقل الاختلاف من إطاره النظري الى رحاب التطبيقات العملية وأهمها؛ الحوار بأحسن صوره واشكاله بين المختلفين في الافكار والمستويات الاجتماعية والثقافية، ومن الطبيعي أن يصعب الحوار بهذه الابعاد مع زيادة مساحة التنوع، ولكن يستحق الأمر العناء لمن يفكر جدّياً في التحول من الواقع الفاسد اجتماعياً وسياسياً، وارتقاء سلم التقدم.

كما يستوجب الأمر رؤية مستقبلية مع طول أناة ليكون هذا الحوار أداة استخراج التجارب والخبرات العلمية والافكار من فئة من معينة ممن لهم الحظوة والظروف المؤاتية، ثم يُصار الى نشر هذا الخزين بين طلابه ليرتقع لدينا عدد العلماء والمفكرين والمثقفين، كما لو أن صاحب مصنع ضخم للسيارات، يعتمد على مجموعة من العلماء في مجال التصميم والميكانيك وايضاً؛ التسويق، فيعمد صاحب المصنع الى خطوة استباقية لنقل خبرات وتجارب الكبار الى الخريجين من الجامعات والعمال الفنيين ليتقنوا الصنعة ويستمر المصنع في تقديم أروع وأفضل أنتاج منافس في العالم.

ربما يواجهنا في الطريق حاجز نفسي يمنعنا من التقارب لايصال الفكرة، وإن جرت المحاولات ربما تكون النتيجة عكسية، ويكون سبباً للتباعد أكثر عندما يكون الحوار غير مستوفٍ لشروطه، لذا نجد الإسلام يضع آلية رائعة للحوار الناجح بين المختلفين وهو "الحوار المؤدب" الذي يراعي مشاعر الطرف الآخر قبل التفكير في فرض الرأي والفكرة على الطرف المقابل، وهذه تبدو نقطة جوهرية في البناء الحضاري لمن يتطلع الى آفاق المستقبل، وفي كتاب الله، أول من جسد هذا النوع من الحوار هو الله –جلّ وعلا- في الحوار الذي يبينه القرآن الكريم بينه –تعالى- وبين ملائكته عندما أبغلهم أنهم بصدد خلق الانسان، ففتح لهم –بداية- المجال للسؤال: {إني جاعل في الارض خليفة}، فجاء السؤال منهم فوراً: {أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء....}، والسؤال هنا "لم يأت بصيغة اعتراض، بل هو سؤال استفهامي مع علمهم بان ما يفعله الله لابد ان يكون عن مصلحة، لكنهم سألوا لكي تتضح لهم وجه المصلحة في ذلك". (محاضرات ثقافية- السيد جعفر الشيرازي).

ويضيف سماحته في مؤلفه بان استمرار هذا الحوار بين الله –تعالى- والملائكة أفضى على فهمهم ومعرفتهم لحكمة خلق الانسان، "مع أنهم كانوا يعلمون بذلك، ولكن علمهم كان نظرياً، فأوصل الله –تعالى- علمهم الى مرحلة الاقتناع عن طريق الحوار والاستدلال العلمي".

ولمزيد من الامثلة على دور هذا اللون من الحوار في انقاض الامة من مشكلات عظيمة، بالامكان مراجعة وقائع حرب النهروان بين أمير المؤمنين، عليه السلام، والخوارج؛ أصحاب فكرة التحكيم –لا حكم إلا لله- وكيف أن الإمام أوصى عبد الله عباس بأن يحاور القوم باستدلال من السيرة النبوية وليس من القرآن الكريم لأنهم يحفظون القرآن –مضمون الرواية- بينما يجهلون سيرة نبيهم، وكيف كان أول حاكم للأمة في تاريخ الإسلام، فجاءت النتيجة باهرة بالتحاق حوالي ألفي مقاتل الى معسكر أمير المؤمنين، أي أن الامام حقن دماء ألفي إنسان بحوار جميل وراقي، وكذا الحال في الحوار الذي أداره الامام الحسين، عليه السلام، واصحابه يوم عاشوراء مع أهل الكوفة، فكان مشحوناً بالأدلة والبراهين، فهم كانوا يخاطبون اشخاصاً يعرفونهم بأسمائهم ممن كانوا يصلون في صف واحد، ويقرأون القرآن الكريم في مسجد واحد، وهذا "قبل ان يقع بيننا وبينكم السيف"، كما قال مسلم بن عوسجة، وكانت النتيجة أن تكون لدينا شخصية نموذجية فريدة من نوعها وخالدة عبر التاريخ والاجيال وهو؛ الحر الرياحي، وقد شكل لوحده أمة كاملة لأن الى اليوم يفكر به الملايين في العالم، وما صنعه من عمل مستحيل.

نحن نعيش اليوم في ظروف أفضل بكثير مما كان عليه الأئمة الاطهار، حيث ابناء المذهب الواحد، والدين الواحد متقاربين اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، ولم تشهد الأمة طوال تاريخها حرباً طائفية مفتوحة كالتي جرت بين الطوائف المسيحية في سالف الزمان وأودت بحياة الآلاف من الناس تحت عنوان "حروب الكثلكة"، إنما يحتاج الأمر لبعض الخطوات العملية والفنية لإزالة الحواجز النفسية بين افراد الأمة لتوظيف الامكانات والقدرات الموجودة لدى المختلفين ثم صهرها في بوتقة واحدة تكون وسيلة نجاة من واقعنا الفاسد.

الاستبداد يدمر الاختلاف الايجابي

عندما نستشهد بحديث رسول الله، صلى الله عليه وآله بأن "اختلاف أمتي رحمة"، ونعرف معنى الرحمة، وهي كالغيث النازل من السماء، فهذا يعني أن بأيدينا جوهرة لا تقدر بثمن، تفوق ما تختزنه الأرض من معادن ونفط وغاز، يتعين علينا المحافظة عليها ممن يعدها خطراً عليه، فيندفع لمنع هذه الرحمة من أن تتحول الى وسيلة للسعادة للمسلمين، بل وللبشر أجمعين.

فمن يحكم بمنهج الاستبداد فردياً، او حزبياً او فئوياً، لن يقوى على رؤية المجتمع متعدد الافكار والأعراق، يعيش بسلام وتعاون ومودّة، علاوة على وجود ما يُحيي هذا الاختلاف والتنوع بالحوار المفتوح والمستدام بين افراد المجتمع او الشعب الواحد، لذا نلاحظ في تاريخ الديكتاتوريات محاولات التمزيق لكيان المجتمعات بما يثيرها في العناوين القومية او العرقية، او السياسية، كما حصل في عهد صدام الذي أثار النعرة القومية بين العرب والكُرد، وأثار النعرة العرقية بين من المنحدرين من أصول فارسية، ومن هم من أصول عربية، ثم أثار المخاوف السياسية لقمع أصوات المعارضين، والقول بأن نجاح هؤلاء بالاطاحة به يؤدي بالبلاد الى الفوضى، وهي حجّة جميع الديكتاوريات في بلادنا الاسلامية، وبذلك يغلقون أي باب للحوار بين افراد الشعب الواحد، وأي محاولة لنشر الوعي والثقافة، فالمُصرّين على المعارضة مصيرهم السجون او المنافي خارج البلاد، أما الباقين فعليهم الطاعة بصمت.

وبذلك نتج لدينا اختلاف سلبي معالمه التقاطع والصدام بين الافراد، بدءاً من افراد الأسرة الواحدة، مروراً بزملاء الجامعة وأصدقاء العمل، ثم بين الشرائح والمكونات، فحلّ الخلاف محل الاختلاف والتنوع ضمن الجسم الواحد.

وهذا تحديداً مهد الطريق ليسقط بلد عريق في التنوع والتعدد، ومبدع في الاستفادة من هذا التنوع عبر التاريخ، مثل العراق في ساحة ألغام واسعة يتعذر على الانسان إفادة الآخر بشيء من النصح والإرشاد والمعلومة في إطار حوار بناء، فهو لن يجد سوى الندّ والخصم له في أفكاره وانتماءاته، فإما أن تقبل منّي وإما أنت عدوي!

ولكن! هذا ليس كل شيء.

ففي بلد مثل العراق، وايضاً؛ سائر البلاد المأزومة بسبب الانقسامات الاجتماعية والسياسية، بالامكان معالجة ما أفسده الفاسدون والطغاة من خلال تصحيح التصورات عن الآخر، وهذا ايضاً؛ يتم من خلال الحوار البناء والودّي، رغم صعوبة الأمر في ساحة مشحونة بالتصورات المريعة والاحكام المسبقة بشكل قاسٍ وعنيف، ويذكرنا سماحة السيد جعفر الشيرازي في مؤلفه المشار اليه، "بالحواجز النفسية الموجودة بين المجتمعات والافراد، اذا رفعت وحدث الحوار فان الانسان سيكتشف في كثير من الاحيان أن تصوره عن الآخرين كان خاطئاً، فيؤدي هذا الى تعديل التصور الذي بدوره يؤدي الى تعديل السلوك".

ولا يخفى على أحد أن أول من يقف حارساً عند هذا الحاجز النفسي هم الحكام والساسة المنتفعين من الانقسام والاحتراب بين افراد المجتمع، فهم يستقوون بالتجمعات المنشطرة من الجسد الاجتماعي الواحد، كلٌ يرى في صاحبه الحق والقدسية دون نقاش، فضلاً عن الحوار.

اضف تعليق