بعد التي واللتيا (تعبير لغوي فصيح) وبعد اللتّ والعتّ (تعبير عامي سوري) صدر تقرير اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في سقوط الموصل، وماجره ذلك من تداعيات على المشهد السياسي والأمني والاجتماعي العراقي، والذي يمتد تأثيره (السقوط) الى سنوات طويلة قادمة.

منذ سقوط الموصل تقدم اسم نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق لائحة المتهمين الذين يمكن ان توجه اليهم التهم بالتقصير او الإهمال او المسؤولية المباشرة، تبعا لمنصبه كقائد عام للقوات المسلحة العراقية، مع أسماء اخرين تبعا للاهواء والمناكفات السياسية.

في ابسط القوانين ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته، وان أي لجنة تحقيقية تشكل للتحقيق في قضية معينة يجب ان تكون محايدة ومستقلة، وهناك أيضا عدم التعاطي الإعلامي مع أسماء الأشخاص في اطلاق الاتهامات وتحميل المسؤولية.

لم يتوفر في تحقيق اللجنة المكلفة أي شرط من تلك الشروط، فالاتهام جاهز منذ البداية وهو لم يخرج في صيغته النهائية عما كان يتم به التداول في الوسط الإعلامي والسياسي، واللجنة المكلفة بالتحقيق ليست مستقلة او محايدة، بل هي عبارة عن خليط من أحزاب السلطة المتصارعة فيما بينها، يرأسها نائب ينتمي الى كتلة من ألد الخصوم لرئيس الوزراء السابق.

وفي الشق الثالث وهو الإعلامي هنا، تطابقت لائحة الأسماء الرئيسية مع الحملات الإعلامية التي كانت موجهة ضد المالكي، من قبل عدة جهات إعلامية وهي أيضا محسوبة على نفس الكتل والأحزاب المتصارعة، فلا توجد حتى الان وسيلة إعلامية مستقلة عن هيمنة الأحزاب بشكل مباشر او المدعومة منها بشكل غير مباشر الا من رحم ربي، وهذه اندر من الكبريت الاحمر في الوسط الإعلامي العراقي.

هناك ملاحظتان على التقرير:

الملاحظة الأولى: جميع الواردة أسماؤهم في لائحة الاتهام من المقالين او الذين تمت تنحيتهم من مناصبهم، ولا توجد إشارة لاي شخصية بالاسم الصريح لمن هو باق في منصبه، الا اللهم (وزير البيشمركة) والذي اكتفى التقرير بصفته دون الحاق اسمه بها.

الملاحظة الثانية: عدم ورود اسم مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان، او نيجرفان البارزاني رئيس الحكومة، سواءا في دورهما المباشر في إيواء قادة تظاهرات الانبار والمحرضين على العنف، او إيواء الإقليم لضباط النظام السابق، والذين كان لهم دور كبير في عملية اسقاط الموصل.

إضافة الى دور الرجلين في تحركات البيشمركة قبل انسحاب القطعات العسكرية الحكومية او اثناء ذلك.

حيث قادت الماكنة الإعلامية لرئيس إقليم كردستان، حملة دعائية سعت الى التغطية على الدور المباشر لرئيس الإقليم في سقوط الموصل، عبر تسخير صحافيين عراقيين لتجميل صورة بارزاني والتغطية على اخطائه وسياساته الانفصالية.

وقد اعترضت احدى نائبات دولة القانون على التقرير بقولها (التقرير أغفل ذكر مسعود بارزاني المستفيد الأول من سقوط الموصل وتم استبداله ببابكر زيباري)، لافتة الى أن (هناك العديد من الأدلة والوثائق والفيديوهات التي تثبت إصدار بارزاني أوامر لضباطه وجنوده بالانسحاب وعدم التصدي لداعش بحجة انهم يقاتلون الجيش الصفوي).

سقوط الموصل في حسابات الربح والخسارة العسكرية لا يتحدد في لحظة السقوط فقط، بل في اللحظة السابقة واللحظة اللاحقة لذلك.

فاذا كان التقرير قد اتهم اثيل النجيفي المحافظ السابق لنينوى والمقال من قبل مجلسها في فترة لاحقة، لانه كان يخطط مسبقا لعمل مثل هذا الحجم مع ارتفاع الدعوات لإنشاء إقليم سني، فحرض أهالي الموصل ضد القطعات العسكرية الاتحادية، فان الامر يصح كذلك على السيد مسعود البارزاني، وهو الذي يخطط للانفصال وتاسيس دولته الكردية عبر ضم الكثير من المناطق المتنازع عليها تحت سلطة الإقليم، وهو ما حدث فعلا بعد سقوط الموصل، ودخول قوات البيشمركة في القتال الدائر مع داعش، حيث استطاعت تلك القوات من الدخول الى تلك المناطق عقب انسحاب قطعات الجيش منها.

وكان لافتا التصريح الذي ادلى به السيد مسعود البارزاني يوم الجمعة 27 حزيران 2014بعد سقوط المدينة والذي اعتبر فيه أن المادة 140 من الدستور العراقي قد (انجزت وانتهت) .

وقال البارزاني في مؤتمر صحفي مشترك عقده في اربيل مع وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ إن (دخول قوات البيشمركة الى محافظة كركوك أنهى المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالمناطق المتنازع عليها).

وتابع (لقد صبرنا 10 سنوات مع الحكومة الإتحادية لحل قضية المناطق المتنازعة وفق المادة 140 لكنها كانت دون جدوى)، مبينا أن (دخول قوات البيشمركة إلى تلك المناطق جاء لحمايتها ومنع سقوطها بأيدي الإرهابيين بعد إنسحاب القوات الحكومية منها).

وشدد البارزاني ( الآن بالنسبة لنا المادة 140 أنجزت وإنتهت ولن نتحدث عنها بعد الآن).

وكان القيادي في التحالف الكردستاني شوان محمد طه عدّ، في (17 حزيران 2014)، تواجد قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها أصبح "واقعاً" ولن تنسحب منها، فيما اعتبر القوات الأمنية الاتحادية جزءاً من المشكلة التي تسبب بالتدهور الأمني.

والعجيب في التقرير هو اتهامه لعضو مجلس محافظة نينوى هدى زكي وفقا لما يلي: (بقاءها اكثر من شهرين في مدينة الموصل بعد سقوط المدينة والترويج لهذه العصابات من خلال علاقتها بالاعضاء الاخرين ونواب مدينة الموصل).

الاتهام قام على أساس ما بعد لحظة السقوط، لماذا لا يتشابه ما قام به السيد مسعود البارزاني من ادخال قوات البيشمركة الى المناطق المتنازع عليها واحتلالها والتصريح بانتهاء المادة 140 من الدستور بحكم الامر الواقع الذي فرضه سقوط الموصل؟

ويجب ان لايغيب عن اذهاننا ان سقوط الموصل قد سبقته صراعات سياسية شديدة القوة بين المالكي والبارزاني حول الكثير من القضايا، وكان الدافع الرئيسي خلفها هو الطموح الجامح لكل من الرجلين بالتفرد بالسلطة والاستبداد بالقرارات.

ملاحظة أخيرة وهي:

عدم تحميل التقرير لأي جهة او حزب من المشاركين في السلطة مسؤولية سقوط الموصل، من خلال الضباط المحسوبين عليهم والذين لا يمتلكون أي خبرة في العمل العسكري، فيما يعرف بعملية الدمج. وهؤلاء الضباط لايزال قسم كبير منهم موجودا حتى الان في وزارة الدفاع العراقية، في مراكز مفصلية او في قطعات الجيش المتواجدة في مناطق القتال.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0