لو عرضنا اغلب زعماء الأحزاب السياسية العراقية على أطباء نفسانيين، ربما يكون التشخيص الدقيق للحالات التي يمرون بها، هو الانفصام السياسي، والانفصام يأتي من الدعوات المتجددة للحوار بعد الفشل الذريع الذي وصلت اليه العملية السياسية، والتي قادت الى الفوضى الكبيرة الحالية، حتى جاءت تأكيدات السيد مقتدى الصدر بعدم جدوى الحوار في المرحلة الآنية.

سبب الطرح السالف هو تأكيد بعض الاطراف على ضرورة واهمية الحوار في المرحلة الراهنة، وكأن الفترات التي مرت لم تكن بحاجة الى حوار هادف وبناء، وفي الحقيقية ان سبب وصول الأوضاع الى هذه الدرجة من الانغلاق هو غياب هذا النوع التكاشف وتبادل الآراء والأفكار والخروج بنتائج تجنب الوقوع بمثل هذه الانسدادات.

مرت أكثر من عشرة شهور ولم يتم الدعوة بكثافة الى الحوار بمثل هذه الايام، يزامن ذلك ترحيب من الأطراف المتخاصمة بل المسببة الأكثر للازمة بالمبادرات التي أطلقتها الشخصيات والكتل السياسية، وفي الحقيقية تبقى هذه مجرد امنيات لا يمكن ان تحقق نتائج مرضية، وهو ما أشار اليه السيد الصدر في بيانه الأخير، حيث قال: "الحوار معهم قد جربناه وخبرناه وما أفاء علينا وعلى الوطن إلا الخراب والفساد والتبعية".

نص الخطاب هذا يؤكد ويدعم النظرية المطروحة والمقرة بعدم جدوى الحوار في المرحلة القادمة، والاهم من كل هذا هو الركون الى المواد الدستورية والقانونية التي تخرج بالعملية السياسية الى بر الأمان، فالحوار الجديد قد يكون اجترار للماضي ليس أكثر، وهو ما يؤكد فقدان أهميته والحكم عليه بالفاشل سلفا.

وقد أجاب الصدر مرارا على الدعوات المحلية والدولية الرامية لتفعيل زر الحوارات لتدوير ماكينة العمل السياسي، اذ أكد لا فائدة من الحوار لأنه معلوم النتائج، ويأتي هذا التأكيد من بقاء الشخصيات المتسببة بكل هذا في العملية التحاورية والتفاوض المفروض حصوله، وبالنتيجة ستحظر نفس الأفكار والشروط التي أدت الى الانسداد.

الحوار الذي يجب ان يكون في المرحلة القادمة، هو حوار تدار دفته من قبل عقلاء القوم، وهؤلاء العقلاء هم من ينظرون بزوايا تختلف عما ينظر منها المتخاصمون من التيار والإطار، لتكون مهمتهم هي تسوية الخلافات وفق المواد الدستورية المناسبة والقادرة على الخروج من الازمة الى مساحة من التفاهم القادر على المضي مجددا نحو تشكيل الحكومة المتعسر منذ شهور.

مفردة الحوار من المفردات التي يزداد الطلب عليها وتكرارها في أوقات الازمات، اذ يرددها المحللون والخبراء، والمتابعون والمراقبون للعملية السياسية، وربما يزيد على ذلك كله استخدام السياسيين لها، ومع هذا لا نجد ايمان بها بصفتها العقار الوحيد الذي يداوي التقرحات التي لحقت بالعملية السياسية وأجبرتها على السير بتجاه مغاير لما يجب ان تسير فيه.

حتى لو افتراضنا ان الدعوة الى الحوار أتت اُكلها وحصل ما تتمناه النخب السياسية، فانه يبقى يحمل بين طياته أمور سلبية أخرى، اذ يشير الى التفاهم الضيق المحصور بين القلة السياسية، المهيمنة على القرار العام في البلد، وقد يفضي الاتفاق الى تكريس المحاصصة وتمرير الصفقات كما في المرات السابقة، ويبقى الشعب هو الجهة الوحيدة التي لا يسمع صوتها وترحل آمالها الى أوقات غير معلومة.

في الفعاليات السياسية وعلى اختلاف المذاهب التي تقودها، فأن الهدف الأساس من وقوع الحوار هو الوصول الى حلول للخلافات التي تنشب بين الفرقاء، ويكون ذلك في الوضوح بتناول نقاط الاختلاف وفهم طروحات الطرف المقابل لغرض استيعابها وفتح قنوات جديدة لاحتواها وحلها بشكل رسمي وعدم الرجوع اليها في الأيام او السنوات القادمة.

ومن عوامل فشل الحوارات لدينا هو تمسك كل طرف من أطراف النزاع بأفكاره وطروحاته التي يراها مناسبة وينسف ما عداها، أضف الى ذلك هو اعتقاد كل طرف بضرورة توليه زمام الأمور وقيادة المرحلة القادمة، ولا يصح ان يشترك معه أحد، وبذلك يكون الخلل في المتحاورون وليس في الحوار ذاته كأسلوب للتواصل مع الآخر وفهمه ومحاولة استيعابه.

قبل الشروع بعملية الحوار هنالك بعض الجوانب يجب مراعاتها من قبل السياسيين أنفسهم، فعليهم ان يختاروا نوعية الحوار الذي سيتم اتباعه، فالحوارات التي يطالب بها الشعب تختلف تماما عما تتحدث عنه النخب السياسية، فالأخيرة تريده حوار يتعلق بالأنانية وتحقيق المصالح الضيقة، بعيدا عن المصلحة العامة، لذلك لم تنتج عن حوارات أحزاب السلطة أي فائدة حقيقية وملموسة للمجتمع، منذ هيمنتها على الحكم منذ تغيير النظام الى يومنا هذا.

اضف تعليق