كان من المؤمل ان تسهم مخرجات الانتخابات النيابية المبكرة التي جرت في تشرين الأول من عام 2021 في إمكانية ان يكون النظام السياسي المشوه في العراق امام واقع مختلف، خصوصا تغيير اعراف السياسة العراقية التي هي بعيدة عن مبادئ الديمقراطية ومسلماتها، كون النظام السياسي ارتكز على دستور مشوه هو الاخر.

وهذا ما اتضح جليا مع تفسيرات المحكمة الاتحادية لمواد دستورية خصوصا تلك المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، حيث اشارت المحكمة في تفسيرها بأن ينتخب الرئيس بأغلبية الثلثين، إضافة الى تفسيرات أخرى، وانعدام الثقة بين القوى السياسية، وشيوع ثقافة المحاصصة وانعدام المعارضة، وهو ما جعل مجمل العملية السياسية امام ازمة جديدة تضاف لها مشاكل مخرجاتها من ملفات الفساد والمكوناتية وعسكرة المجتمع والقبلية وما الى ذلك منذ ما يقارب عشرون عاما من تغيير النظام الاستبدادي البائد.

وبعد انسحاب الصدريين من العملية السياسية واستقالة أعضائها من مجلس النواب بعد عدم إمكانية تحقيق مشروعهم السياسي القاضي بان تتشكل السلطة التنفيذية بالأغلبية الوطنية في قبال وجود معارضة وطنية، وبعد هذا الانسحاب وتطورات أخرى، العملية السياسية في العراق باتت امام متغيرات جديدة وامام عدة سيناريوهات للتغيير.

ومن السيناريوهات التي طرحت في الفترة الأخيرة سيناريو تغيير العملية السياسية والنظام السياسي بمجمله من الخارج، وهذا ما أشار اليه بعض النواب السابقين، وشخصيات سياسية عراقية منهم النائب السابق فائق الشيخ علي قبل أيام في لقاء متلفز حدد فيه عام 2024 اقصى فترة زمنية لتغيير النظام، ومن حديثه ان طريقة التغيير تكون بقوة سماها بالكاسحة والمدمرة، وأشار الشيخ يجري العمل على مخطط يدار الآن لـ(إسقاط) نظام الحكم في العراق خلال العامين المقبلين، مؤكدا أنّ قوة التغيير ستكون (ساحقة مدمرة) تطلق مرحلة صعود البلاد كمحور للمنطقة، وتغيير كل تفاصيل العملية السياسية ومن ضمنها القوى الحزبية والسياسية.

وفي مناقشة محاور سيناريو التغيير من الخارج الذي ذهب اليه عدد من المراقبين العراقيين، نستطيع ان نعرض عدد من الاستفهامات والاجابة عليها وذلك من خلال الآتي:

من هي القوة الخارجية التي تريد تغيير النظام السياسي في العراق؟.

هل هذه القوة هي قوة دولية او إقليمية؟.

اذا كانت دولية بقيادة من الولايات المتحدة ام غيرها من المعسكر الشرقي بقيادة الروس والصين؟.

فاذا كانت الولايات المتحدة الامريكية فإن النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 يعد من صنع الولايات المتحدة، وقد خسرت مئات المليارات، وعدد كبير من الجنود، وقد اكدت في السنوات الأخيرة في ظل تراجع اقتصادياتها انها لا تفكر في تغيير أي نظام سياسي في العالم، ومن ضمنها أعداء الولايات المتحدة حسب تصنيف الولايات المتحدة بالقوة، لما يتركه من تأثير اقتصادي وبشري على الولايات المتحدة.

صحيح ان الولايات المتحدة الامريكية تدرك خطورة ترك بلدان الشرق الأوسط لدول أخرى معها حالة من التنافس والصراع كالصين والروس وفي اقل منها ايران، وهذا ما حملته اجندة الرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط وبالتحديد في قمة جدة في المملكة العربية السعودية، حيث نوه بأن من اهداف زيارته هو رجوع الولايات المتحدة الى الشرق الأوسط وعدم فسح المجال للدول أخرى كالصين وروسيا وأشار لها بالحرف الواحد، وبالرغم من ذلك يمكن وصف الاجندات الأخيرة هذه بانها طرق اقتصادية وسياسية ناعمة وقد لا تحتمل ابعد من ذلك، وحتى في اشارته الى ايران قال آخر الحلول هي القوة في إشارة الى البرنامج النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي.

ويكمن التساؤل الاخر من هي القوة التي ستغير النظام هل هي من المعسكر الشرقي الذي هو بالنتيجة مرتاح كثيرا للنظام الحالي الذي تمسكه قوة مناهضة في الاغلب للولايات المتحدة خصوصا الشيعية منها، ولديها استثمارات نفطية وفي قطاعات أخرى كبيرة جدا. وقد يكمن سر منافستها للولايات المتحدة هي اخفاق الولايات المتحدة في العراق ودول أخرى، وبالتالي ليس من مصلحة الولايات المتحدة الان ولا الصين وروسيا ولا حتى المعسكر الأوروبي الحائر في أزمات البيئة والحرب الأوكرانية والهجرة وما شابه ليس من مصلحة هؤلاء في ضوء البراغماتية ارتكاز سياستهم الخارجية على القوة الناعمة أكثر من اعتماد الحروب المباشرة من التدخل في تغيير النظام السياسي في العراق.

ام ان بعض الدول المشار لها غيرت من قناعاتها وبدأت تفكر بطريقة أخرى من اجل تغيير النظام السياسي في العراق، في حين ان القوى الإقليمية يتسم موقف قسم منها بانه ليس لدى هذه الدول مشكلة مع النظام السياسي في العراق خصوصا تركيا وايران، وهي وان كانت تبحث عن أطماع جديدة ونفوذ لكن هذا النظام موفر لها انفراجة ونفوذ خصوصا في المجالات التجارية والاقتصادية والاستثمارية فضلا عن النفوذ السياسي عند عدد كبير من القوى والأحزاب السياسية العراقية.

فيما تشكل الدول العربية وخصوصا الخليجية منها وان كانت لديها تحفظات كثيرة على النظام السياسية في العراق بعد التغيير لكن بوحدها لا تفعل شيء وهي غالبا ما يكون موقفها متوافق مع ما تذهب اليه الولايات المتحدة الامريكية.

ويبقى هذا السيناريو عبارة عن تكهنات وقراءة للواقع السياسي المحبط في العراق تدعمه رغبة البعض في التغيير السياسي من الخارج، في حين يمثل خيار التغيير من الداخل اقل ضررا وحفاظا على الوحدة الوطنية، ومدى اثبات سيناريو التغيير من الخارج من عدمه يتوقف على مدى قدرة القوى السياسية الراعية للنظام السياسي في العراق من النهوض بالبلد وانهاء حالة الفوضى السياسية والاقتصادية والأمنية وتقديم مصلحة الدولة على المصالح الحزبية والخارجية كل ذلك حتما ستجيب عنه الأشهر القادمة من بيان واقعية ومصداقية هذه الفرضية من عدمها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق