وصفت بعض المواقع الالكترونية ووسائل الاعلام، ظهوره في باريس بالمفاجئ! ووجه المفاجأة يتمثل في كونه ابنا لأحد اكبر الارهابيين في العالم، اسامة بن لادن.. الكلام طبعا عن عمر بن اسامة بن لادن المولود في السعودية العام 1981، والذي انتقل مع امه إلى السودان وهو بعمر عشر سنوات، حيث اقامة والده هناك، وبعد أربع سنوات وجد نفسه بين كهوف تورا بورا ومحاصرا بافكار ظلامية وخوف وترقب مستمرين.

حيث افغانستان مستقر والده الاخير.. لقد ارتدى الزي الشهير الذي كان يلبسه والده وحمل السلاح معه، لكنه ودّعه قبل مقتله في العملية الأميركية الشهيرة يوم 2 اذار 2011 في باكستان، وهو في سن التاسعة عشرة اي في العام 2000، ليتنقل هذا الشاب بعد ذلك بين بلده السعودية ودول أخرى، وكانت أشبه برحلة لاكتشاف الذات ربما لم يقرر هدفها مسبقا.. أكثر من سؤال يطرح نفسه الان، وبعد أن اصبح عمر بن إسامة بن لادن فنانا تشكيليا يرسم ويبيع الفن والجمال للناس في باريس.

ماذا لو لم يترك والده وبقي بين تلك الكهوف وكيف سيكون مصيره؟ وسؤال آخر هل لعبت الأقدار لعبتها معه أكثر من مرة وبالوان مختلفة، أي هل كان قدره أن يولد لأب إرهابي ليجد نفسه وسط افكار ظلامية حجبته عن رؤية الحياة بوضوح، ومن ثم كان للأقدار نفسها الدور في تحريره من تلك الافكار، حين غادر والده ليلج حياة أخرى إعادته إلى ذاته؟

وماذا لو كان في داخله متزمتا ويميل إلى الأفكار الظلامية، لأن كثيرين ممن سبقوه في العيش بأوروبا أو غيرها، اختاروا لاحقا (الجهاد) وحياة الكهوف والظلام؟.. نعتقد أن بين كل هذه الاسئلة يكمن سؤال جوهري، هو أن هناك استعدادا ذاتيا عند كل انسان، ولو بدرجات متفاوتة، والاستعداد هنا يكون إيجابيا مرة وسلبيا مرة أخرى، فحين يكون ايجابيا ويتحصل صاحبه على عوامل مساعدة للخروج من ربقة تفكير ظلامي او متطرف اقتحم بواكير حياته او تفكيره، تكون مدة خروجه أيسر وأقصر، وهو ما حصل مع كثيرين ممن كانوا متزمتين دينيا او عقائديا بشكل عام، وتحولوا إلى مشاعل تنوير تهتدي بفكرهم الناس.. والعكس صحيح إذ إن هناك كثيرين ممن توفرت لهم كل اسباب الاستقامة والحياة الطبيعية ونشؤوا في بيئة مساعدة من تعليم وتربية منزلية وغير ذلك، لكنهم اشتطوا وانحرفوا باتجاه

التطرف والظلام وباتوا عبئا على أنفسهم ومجتمعاتهم.. لو كبّرنا الصورة اكثر لوجدنا أن شعوبا عديدة فرضت عليها ظروف قاسية او وجدت نفسها في خضم تلك الظروف لأسباب مختلفة، فإن أعداداً كبيرة منها، بل التفكير الجمعي فيها ربما يتحول إلى سلبي بشكل عام، ويصبح الخلاص وعبور تلك المحنة أكثر صعوبة ويحتاج إلى وقت أطول.

بالمقابل ترى الشعوب المستقرة التي تتوفر على حياة طبيعية وجيدة اقتصاديا وثقافيا وبيئيا تكون في الغالب منتجة واكثر عطاء لنفسها ولغيرها.

(درس) عمر بن اسامة بن لادن، ليس الأول ولن يكون الأخير.. لكنه ينبهنا على أن صناعة بيئة صحيحة لمختلف جوانب الحياة تعني صناعة شعب صحيح.. في عيشه وفي تفكيره قبل كل شيء.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق