كان مفترضاً بعد 29 عاما من اتفاقات اوسلو (1993) أن يستقبل الفلسطينيون الرئيس الأميركي جو بايدن في القدس الشرقية عاصمة دولتهم المستقلة ذات السيادة، ما حصل كان غير ذلك، فقد قال بايدن بصراحة لمضيفه محمود عباس أن حلم الدولة الفلسطينية قد يكون بعيد المنال، بينما كان قبل يومين يوقع بحماس بيانا مشتركا يتعهد فيه بادماج الدولة العبرية في المنطقة العربية، ويضمن تفوقها العسكري والتكنولوجي، ويمنحها تعهدا بموقف متشدد ازاء إيران حتى لو استلزم اللجوء إلى الخيار العسكري لوقف برنامجها النووي!

لا جديد في الموقفين الأميركي والاسرائيلي، انما الجديد هو سقوط الحواجز العربية امام قطار التطبيع المنطلق من القدس عاصمة القضية (العربية) الاولى، وبسرعة تفوق جميع التوقعات، الاسرائيليون لم يعودوا غرباء، بل باتوا يتنعمون بالحضن العربي الدافئ، ويصبحون جزءاً من تحالف عريض مشكلته الأولى والأخيرة ايران.

هل كانت زيارة بايدن للمنطقة وترؤسه لمؤتمر جدة مناسبة لإعلان مبدئه في سياسته الخارجية، مبدأ بايدن؟

المعروف أن الرؤساء الأمريكان دأبوا على إعلان ما يسمونه عقائدهم وأفكارهم وأولوية أهدافهم التي تصبح محور سياستهم الخارجية، Doctrine المبدأ الاول صدر عام 1823 وعرف باسم مبدأ مونرو رئيس أميركا في ذلك الوقت، تلاه في الاهمية مبدأ ولسن عام 1917، ثم تتالت المبادئ لكل رئيس، عاصرنا منها مبادئ نيكسون، ثم كارتر وريغان وكلنتون وبوش وأوباما وترامب، وحان الآن ان نتفحص مبدأ بايدن، وكلها تتعلق بمصالح أميركا في منطقتنا.

مبدأ بايدن وإن لم يصغِ بشكلٍ رسمي، لكنه يتلخص بعودة الشرق الأوسط أولوية أميركية لضمان أمن الطاقة وممرات التجارة، ومنع أي تغيير في موازين القوى المستقرة لصالح اسرائيل منذ عقود، مع اضافة جديدة بتحشيد الجهود ودمج الطاقات العربية -الاسرائيلية في مواجهة المتغير (التهديد) الذي تمثله ايران وحلفاؤها، المهمة المستعجلة الآن هي الدفع باتفاقات التحالف والتعاون الأمني والعسكري بين اسرائيل ودول المنطقة إلى تخوم لم تعرفها من قبل، سماها البعض الناتو العربي، وسماها آخرون اتفاقات الامن المشترك، المحكوم بعقيدة جديدة حلت فيها ايران محل اسرائيل كعدو خطير، وتحول العدو إلى حليف يملك قدرات تكنولوجية وعسكرية، بحيث أصبح بسرعة موردا للسلاح واجهزة التجسس السيبراني ويساعد بنصب أجهزة تنصت ورادار، ويسعى إلى توحيد منظومات الدفاع الجوي ضد الصواريخ البالستية، لتكون جدارا يصد الصواريخ الايرانية.

أميركا التي كانت على مدى عقود مهتمة بضمان أمن اسرائيل وحماية وجودها، صارت تنيبها الآن لحماية امن الدول المنتجة للنفط والغاز، الحماس الاسرائيلي لهذه المهمة في اعلى مستوياته، وغدا الأمن القومي للخصماء متوحدا لأول مرة، فأغلب الدول العربية ما عادت معنية بالحق الفلسطيني، لأنها تشعر بالخوف، الخوف الحقيقي او المتوهم، من إيران، هل أخطأت إيران في سياستها الخارجية فدفعت أقرب شركائها وجيرانها في الخليج إلى الحضن الاسرائيلي؟ أم أن التطبيع الراهن حصيلة جهود طويلة وضغوط واغراءات، أثمرت أخيرا في إزاحة العدو الأصلي ليحل محله عدو جديد؟

تبذل ايران جهودا حثيثة لطمأنة جيرانها، عرضت توقيع معاهدات عدم اعتداء، مارست خطابا استرضائيا، لكن الامور تجاوزت المحذور بالنسبة لبعض دول الخليج، ايران النووية وغير النووية اصبحت خطرا، وتهديدا للأمن القومي لهذه الدول، عند هذه الخطوط تشكلت معالم الرؤية الستراتيجية، أميركا تريد الحفاظ على مراكز نفوذها التقليدية، مواجهتها للمنافس الصيني يدفعها للحضور المكثف في الشرق الاوسط والباسفيكي، وعدم ترك أيَّ فراغ جيوسياسي، وهي تحرص على اقناع دول المنطقة بألا تسمح لروسيا والصين بالتغلغل وتهديد النفوذ الأميركي، عادت واشنطن لتعترف بأن انكفاءها عن الشرق الاوسط طبقا لمبدأ اوباما سمح للاخرين بتغيير قواعد اللعبة الجيوستراتيجية. كان اليسار العربي القومي يسمي اسرائيل حاملة طائرات أميركية متقدمة، وها هي المقولة الافلة تعود إلى الحياة مجددا، ستعوض اسرائيل انسحابات أميركا بعد حروب فاشلة في افغانستان والعراق، وتراجع ملحوظ بثقة الحلفاء التاريخيين بها، باتت السعودية والإمارات أكثر تحررا من ربط أمنهما بالاعتماد على أميركا وحدها، حرب روسيا على اوكرانيا واضطراب اسواق الغذاء والطاقة ووقوف الصين إلى جانب روسيا، كل ذلك أعاد أمرييا بقوة إلى الشرق الاوسط لسد اي فراغ قد ينفذ منه منافسوها، الصينيون والروس ثم الايرانيون الذين يواصلون التحدي ويشاكسون بقوة.

هكذا تبدو مسارات الامور في منطقتنا، أين موقع العراق من كل ذلك؟ المؤكد أن علاقات متوازنة مع الجميع هو عنوان السياسة العراقية منذ سنوات، نظريا تبدو هذه الستراتيجية ممكنة ومطلوبة، غير أن كلا من طرفي الصراع في المنطقة، محور ايران وحلفائها، ومحور القدس - جدة يريدان العراق حائط صد ضد نفوذ المحور الآخر، العراق نقطة الاشتباك الرخوة، والعامل المذهبي او الطائفي يدخل على خطوط الاشتباك بقوة، كثيرون يرون أن المحورين يستفيدان من التصنيف القائل بأن محور القدس جدة سعيد، بكونه يمثل تحالفا يضم السنة المعتدلين، بينما تسعد ايران بكونها تقود الشيعة المقاومين في هذا الصراع، عراقيون كثر يخشون من تصاعد الاشتباك على هذا النحو، لان المعادلة الامنية العراقية ستهتز مجددا، واستقرار البلاد ونجاتها من ازماتها لا يكون بالانحياز إلى محور على حساب آخر، هل الحياد ممكن مع دبلوماسية الوساطة ونقل الرسائل؟ ايضا هناك من يتخوف من ذلك، بل ذهب تيار سياسي إلى التحذير من دور النادل الذي يستضيف الزبائن على طاولته، من دون أن يمتلك القدرة على إبعادهم، فيما لو قرروا استخدام ماعلى الطاولة من أدوات!

العراق يسير على خط دقيق، له مصلحة في أن يستفيد من دعم جيرانه واصدقائه، وألا يكون محسوبا على طرف، وله مصلحة ايضا ألا يغيض أحدا أو يساء تفسير سياساته فترتد وبالا عليه، الدبلوماسية الفعالة وتكوين القناعات بالعمل الدؤوب ضرورة مرحلية، لا يمكن للعراق أن يكون معزولا عن محيطه، ولا يمكنه أن يتنازل عن قناعاته الرسمية والشعبية، التطبيع خط أحمر وهو جريمة بحكم القانون، وأصبح اخيرا عنصر مزايدة بين القوى العراقية المتخالفة، غير أن وضع الأكثرية الشيعية العراقية وكأنها وحدها صاحبة التكليف والمهمة الاولى في إحباط التطبيع عربيا، امر مبالغ به في ظرف العراق الراهن، فقد اكتشف اسلاميو مصر وتركيا والاردن والمغرب أن قناعاتهم ومبادئهم لا تقوى على الصمود امام ضرورات (المصلحة) الحاكمة امنيا واقتصاديا وسياسيا، سيبقى الشيعة العراقيون ومعهم الغالبية الوطنية العراقية ترفض التطبيع، وترفض جعل العراق ساحة صراع بين المحاور. لكن ذلك رهين ببناء دولة مقتدرة ورؤية موحدة، وليس بخطابات اعلامية ثأرية واستعراضات شوارع وفشل ذريع في تشكيل حكومة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق