فتحت استقالة نواب الكتلة الصدرية من البرلمان العراقي مسارات متعددة للعملية السياسية بعد عدة أشهر من الشلل السياسي اخفقت كل الجهود خلالها لتأمين نصاب الثلثين لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ولتشكيل حكومة جديدة في العراق، لعدم قدرة التحالف الثلاثي على تحقيق هذه الاغلبية واعاقة الاطار التنسيقي تشكيل حكومة اغلبية وطنية يقودها السيد مقتدى الصدر، ويمكن تحديد ثلاثة مسارات جميعها قابلة للتحقق وكالاتي:

المسار الاول: استكمال الاستحقاقات الدستورية الفائتة

وفقا لهذا المسار يعني اعطاء فرصة للآخرين لتشكيل حكومة من دون الكتلة الصدرية ومنح الضوء الاخضر لباقي اضلاع تحالف انقاذ وطن بالتفاهم والحوار مع قوى الاطار التنسيقي الذي منحتهم استقالة الكتلة الصدرية مزيدا من المقاعد البرلمانية ليكونوا هم الكتلة الاكبر في البرلمان الذي يقع على عاتقه التفاهم مع المكونات والقوى السياسية الاخرى لتشكيل الحكومة، وفي حال الاستقرار على هذا المسار دون عوائق فان ولادة حكومة شراكة وتوافق هو السيناريو الاقرب للواقع باعتبار ان الاطار التنسيقي سيكون هو الكتلة الاكبر في البرلمان فانه غير قادر على تأمين نصاب الثلثين لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وحتى تسمية مرشحه للحكومة سيصدم بالفيتو الكردي- السني- والمستقلين، ولهذا لابد من الذهاب الى حكومة توافق سياسي يتشاطر الاطار والاتحاد الوطني والمستقلين وتحالف السيادة والديمقراطي الكردستاني الرؤية لتحديد مسارات المرحلة القادمة فيما يخص رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والكابينة الحكومية وفق سياق الاستحقاق الانتخابي مع الاخذ بنظر الاعتبار ان رئيس الحكومة سيكون من خيار الاطار، ورئيس الجمهورية بتوافق الحزبين الكرديين مبدئيا.

لكن وفق المعطيات الراهنة فان البوصلة تميل للحزب الديمقراطي الكردستاني في تسمية رئيس الجمهورية، ومرشح يحظى بمقبولية لدى كل الاطراف لرئاسة الحكومة، وبالتالي تكون له مقبولية وطنية على نطاق واسع يعمل على امتصاص اي ردود افعال مضادة سياسيا او شعبيا، لكن هذا المسار يستغرق وقت طويل للوصول الى هذه التفاهمات والتوافقات واحتواء التعارضات ويعد مسارا مثاليا في حال تحققه، ما يعزز فرص حصول هذا المسار، هو المخاطر والتهديدات والتحديات التي تحيط بالدولة ومصداقية الكتلة الصدرية في الانسحاب وترك الخيار لباقي القوى استكمال اجراءات انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، اضافة الى دوافع الحصول على المواقع التنفيذية لكل الاطراف السياسية التي تعتقد ان التنازل عن بعض المناصب والحصول على اخرى افضل من عدم الحصول على شيء مع حالة الشلل السياسي الذي تمر فيه العملية السياسية الراهنة، جلسة يوم الخميس الماضي التي ردد فيها النواب البدلاء اليمين الدستورية دون عقبات ايضاً مؤشر ايجابي يعمل على فتح المجال لترسيخ احلال هذا المسار.

المسار الثاني: استمرار الانسداد والشلل السياسي

من المتوقع جدا ان تستمر حالة الانسداد والشلل السياسي في البلاد بعد استقالة الكتلة الصدرية، لان مسألة التوافق السياسي ليست سهلة، خاصة فيما لو كان هنالك اتفاق بين الكتلة الصدرية وحلفاءه في انقاذ وطن على اسس واعتبارات محددة تخص خيارات التحالف مع قوى الاطار التنسيقي او مخرجات هذا التحالف والتفاهم حول طبيعة تشكيل الحكومة واختيار رئيسها، وهذا السيناريو غير مستبعد حقيقة، لان انسحاب الصدر لا يمكن ان يكون بطريقة رفع اليد نهائياً من الواقع السياسي والعملية السياسية والتراجع عن ثوابته ورؤيته ومواقفه التي صرح عنها، لكن المهم في ذلك، هو مدى احترام والتزام تحالف السيادة والديمقراطي الكردستاني بهذه الثوابت والمحددات، في حال الالتزام فان استمرار الانسداد سيكون حاضر باعتبار ان قوى الاطار التنسيقي لديه رؤية مختلفة في ادارة العملية السياسية عن رؤية الصدر سواء في مسألة تشكيل الحكومة وايضا مرشحها لرئاستها، فالتوافق السياسي يرفضه الصدر وشخصية اطارية حزبية او مقربه صراحة من احزاب الاطار التقليدية سيثير حفيظة الصدر وبالتالي يضطر حلفاءه الى رفض ذلك.

اما في حال عدم الالتزام بهذه المحددات فستكون هنالك عقبات عديدة على مخرجات التفاهم والتحالف بداية داخل كل بيت سياسي، فأول تحدي هو منصب رئاسة الجمهورية وكيفية صناعة الثقة والتوافق بين الاطراف الكردية وفيما لو دعم الاطار مرشح احد الحزبين على حساب الاخر ماهو رد فعل الاخر تجاه عملية التوافق واستكمال باقي الاستحقاقات،؟ وحتى ان حصل ذلك هل سيكون الرئيس المنتخب متخادماً مع الاطراف المصوتة له في تكليف مرشحها لرئاسة الحكومة، فقد ينتهي التوافق عند لحظة طرح المرشح او تغييره اذا ما كان مطروحا سابقا او في حال لم تنال الكابينة الوزارية الثقة بالكامل او بشكل جزئي لوجود اعتبارات واشكالات سابقة في عرقلة الاطار التنسيقي مرشح البارزاني لرئاسة الجمهورية.

كل هذه عوائق مطروحة، وقد تطرح عوائق مماثلة داخل البيت السني ايضا وتستخدم ورقة سحب الثقة من رئيس البرلمان وان كانت حظوظه قوية في بقاءه بموقعه لكن الانشقاق وارد وحاصل ربطا مع سيناريوهات انتخاب الرئيس وتكليف مرشح لرئاسة الحكومة وهنالك من يطمح بموقع رئاسة البرلمان سنياً اضافة الى البحث عن مواقع ومناصب عليا قد لا تحظى بموافقة الحلبوسي او موافقة حلفاءه الاكراد، اضافة الى عوائق مماثلة قد تواجه قوى الاطار التنسيقي نفسه، فأول اختبار لتماسك قواه سيكون حول من سيتولى منصب النائب الاول لرئيس البرلمان وكيف سيتم التوافق عليه؟ مرورا بالاتفاق على مرشحهم للحكومة ثم المواقع الاخرى فالقضية ليست بسيطة، خاصة ان داخل قوى التحالف اطراف متعارضة وسبب انضمامها للاطار هو الخسارة والتراجع الانتخابي والتحجج بقضية حق المكون الشيعي سياسيا لمواجهة هذا التراجع، اما مع انسحاب الصدر وحصول هذه القوى على بعض المقاعد وتصاعد الاخرى فالحسابات والتوازنات اختلفت داخل الاطار ما يعني ان صلابة مواقفه ووحدتها ستكون موضع شك وعدم يقين خاصة في القضايا المصيرية والاساسية التي تتعلق بمصالح الاحزاب الشيعية.

هذا المسار يؤكده عدم وجود مواقف واضحة ومحددة وحاسمة لغاية الان من القوى السياسية الثلاثة ازاء المرحلة القادمة بعد انسحاب الكتلة الصدرية من جهة، وعدم حصول اي اجتماع او تواصل او تفاهم مباشر بين تلك القوى.

استمرار حالة الانسداد السياسي قد يطرح خيارات اخرى للخروج منه، قد تكون اهمها خيار الحل الذاتي للبرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وتهيئة مستلزماتها بعد تعديل قانون الانتخابات الذي سيكون البوصلة الاساسية التي تلتقي ازاءها الكتل السياسية وسيكون للتيار الصدري رأي في ذلك قبولاً واسهاماً ومشاركة في الانتخابات بقوة ما يعمل على المضي صوب هذا الخيار، او رفضا ومقاطعة وممارسة الضغوطات المباشرة على القوى السياسية لتعقيد الوضع السياسي بشكل اكبر ما يعمل على استدامة حالة الانسداد والشلل السياسي، والاسهام اكثر في اشاعة الاحتقان الشعبي ضد اقطاب العملية السياسية التي خرج منها الصدر.

المسار الثالث: عودة الاحتجاجات والفوضى السياسية

من المرجح جدا ان يذهب جمهور التيار الصدري نحو الاحتجاجات كخيار بديل عن المشاركة السياسية، خاصة مع وجود مؤشرات لعودة الاحتجاجات والتظاهرات وقد تكون محافظة ذي قار نقطة الانطلاق، فهنالك رفض للوضع الراهن، خاصة ان الانسداد السياسي حفز منذ الانتخابات المبكرة في تشرين الأول الماضي العودة إلى السخط المستمر بين العراقيين الذين يشعرون أن مخرجات هذه الانتخابات اعطت الأولوية للنخب السياسية على حساب المواطن في قضايا توفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه النظيفة وفرص العمل، هذا الجانب الرئيس لعودة الصدريين للاحتجاجات، الجانب الاخر هو رد الفعل السياسي ازاء تحركات القوى السياسية وخاصة الاطار التنسيقي في مسألة تشكيل الحكومة وطرح المرشح لرئاستها، فطرح خيار المحاصصة والتوافق سيعزز فرضية الاحتجاجات الشعبية لدى اتباع الصدر لان الصدر يؤمن إن وجود حكومة توافقية هو المسؤول بشكل اساس عن ترسيخ الفساد واللامبالاة وسيطرة الاحزاب التقليدية على مؤسسات الدولة وبناء شبكات رعاية شخصية فئوية لها، وعدم تحقيق شيء للشعب العراقي، لان النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوافق لا يستجيب لاحتياجات الشعب العراقي، وبالتالي يجب ان يأخذ الصدر وجماهيره موقف من استمرار هذا النهج في ادارة العملية السياسية، واذا ما ركزنا على حديث الصدر مع نوابه المستقيلين في الحنانة، اشترط بعودته للسياسة والانتخابات حصول (الفرج) المتمثل بإزاحة الفاسدين ومن تلطخت ايديهم بدماء العراقيين من الواجهة السياسية، والمقصود بذلك ان خيار توسيع الاحتجاجات الشعبية هو السبيل لإزاحة الفاسدين.

ولهذا فإن اي حكومة محاصصة تعزز قدرة خصوم الصدر في الاطار التنسيقي، او اي مرشح استفزازي لرئاسة الحكومة، وحتى كابينة وزارية غير مقبولة صدريا ستواجه بردة فعل جماهير التيار في الشارع، وهذه المرة ستكون الاحتجاجات اكثر راديكالية تؤدي الى صدامات وتعطيل لكل مرافق الدولة في بغداد والمحافظات الشيعية على وجه التحديد.

اذا ما تحققت فرضيات هذا المسار وهي غير مستعبدة وظروفها مهيأة، فإن مخرجاتها لن تكون كالسابق، حكومة توافقية او دعوة لانتخابات مبكرة او حل برلمان، من المحتمل جدا ان يتم تجميد العمل بالدستور والعمل على وضع دستور جديد او مؤقت او تعديل الدستور الحالي بشكل يصمم نظام سياسي جديد وتأسيس مخرجات سياسية جديدة وفقاً لذلك، لان الحقيقة التي يتجاهلها السياسيين ان الدستور الحالي شيع الى مثواه الاخير من كثرة خرقه والتجاوز عليه وانتهاكه مراراً وتكراراً ولم يعد صالحا لإدارة النزاعات والخلافات السياسية رغم ان العيب ليس في الدستور انما في من يطبقوه او ينتهكوه وفقا لمصالحهم واستخدامه كأداة لمواجهة خصومهم، قد يشهد العراق حكومة مؤقتة تنبثق من رحم الاحتجاجات بصيغة انقاذ او طوارئ او اي مسمى اخرى وقد تستمر لمدة ليست بالقصيرة.

الكثير من العراقيين لا يرغبون بهذا المسار وهذا السيناريو، رغم ان الحلول الجزئية والترقيعية لم تقدم شيء، وهنالك من يعتقد ان التغيير الجذري للنظام السياسي والطبقة السياسية هو الحل الاخير لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها من جديد، لكن الذهاب الى مسارات غير دستورية مجهولة قد تصاحبها فوضى سياسية وصدامات تعمل على تمزيق وحدة المجتمع لها عواقبها الوخيمة، وستكون اكثر ضررا من البقاء على الوضع الراهن بما له وما عليه.

هذا المسار مرجح ايضا في المدى القصير وهنالك اجندات داخلية وخارجية تعمل على احلاله بغض النظر عن النوايا والدوافع التي قد تكون فيها مصلحة عامة ولها مبرراتها، لكن سياقات استغلالها في تكريس الخلافات والانقسامات الفئوية من قبل اطراف داخلية وخارجية ستكون هي المستفيدة في تمرير مشاريعها واجنداتها عبر هذا المسار.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق