لم تنتهي أزمة سياسية في العراق حتى تبدأ أزمة أخرى، فأزمة تشكيل الحكومة بعد انتخابات العاشر من تشرين الاول من العام الماضي لم تنتهي بعد، حتى فوجئ الجميع بقرار زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بانسحاب نوابه من البرلمان العراقي.

إن انسحاب الصدر المتكرر من المشاركة في الحكومات السابقة أو احتجاجه عليها وسلوك القوى السياسية الاخرى، كان حاضراً في كل الحكومات السابقة، إلا أن الانسحاب من السلطة التشريعية (البرلمان العراقي) لم يحضر من قبل، وهذه هي المرة الاولى التي ينسحب بها الصدر من السلطة التشريعية، والأول مرة منذ انتخابات 2006 يخلو البرلمان من نواب التيار الصدري، على الرغم من ان التيار الصدري انسحب من حكومات 2010 و2014 و2018، لكن لم ينسحبوا نوابه من مجلس النواب العراقي من قبل.

لهذا كانت خطوة السيد الصدر هذه المرة مفاجئة جداً وتحمل في طياتها مخاطر وتحديات جمة، وان القوى السياسية العراقية، ولاسيما تلك القوى المناوئة له، متخوفة من خطوة الانسحاب أكثر من بقاءه في العملية السياسية؛ لذلك يعتقد البعض اننا أمام عهد سياسي جديد، وان السيد الصدر ترك الجميع يفكر في الخطوات القادمة، ولاسيما بعد تأكيده على عدم المشاركة في الانتخابات القادمة إذا ما شارك الفاسدون بها، خطوة اشغلت (الشارع والمتخصصين والمهتمين والمناوئين له) على حد سواء. فكيف يمكن قراءتها سياسياً، هل هي أزمة جديدة في جسد العملية السياسية أم انها مناورة جديدة من السيد الصدر لقلب الطاولة على منافسيه بعدما حرموه من مشروعه السياسي واستحقاقه الانتخابي؟

لقد تمّيز الصدر خلال مسيرته السياسية بالتقلب الشديد، فلا يمنعه إعلان دعمه لأية حكومة ومشاركة وزرائه فيها، من سحب دعمه لها والتهديد باللجوء إلى الشارع، ولعل الجميع يدرك ان السيد الصدر لا يترك مشروعه السياسي "في هذا الوقت" واستحقاقه الانتخابي بهذه الطريقة الفجة، ان لم تكن هناك خطوة أو خطوات قادمة، تمكنه من احراج منافسيه والنيل منهم بالطرق التي تناسبه.

وكذلك لعلنا ندرك بان كل خطوات السيد الصدر التي سبقت الانتخابات وبعدها، سواء موقفه المسبق من الانتخابات الماضية واعلان مقاطعته له أو اصراره على فكرة "الصدري القح" لمنصب رئيس الوزراء، ورفضه معادلة تشكيل الحكومات العراقية السابقة بتغريدته المشهورة (لا شرقية ولا غربية) التي وقف بها ضد الضغوط الاقليمية واصراره على تشكيل حكومة اغلبية وطنية ورفض فكرة الحكومات التوافقية، جميعها كانت عبارة عن مناورات سياسية رفعها السيد الصدر من اجل الوصول إلى هدفه السياسي في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.

من هذا المنطلق يفهم بعض المحللين والمهتمين بأن خطوة السيد الصدر الاخيرة هي مناورة سياسية محسوبة النتائج والاهداف، وهناك رغبة لدى الصدر بأن يحرج الإطار التنسيقي والقوى السياسية التي ساندته في الوقوف بوجه مشروع التيار الصدري، فليس هناك اي نجاح للإطار التنسيقي في ثني السيد الصدر عن مشروعه السياسي بقدر ما هو احراج لهم أمام الرأي العام (المحلي والداخلي)، مناورة قد يتمكن السيد الصدر من خلالها بكشف السلوك السياسي للإطار، فضلاً عن ذلك، فان هدف المناورة هو احراج الإطار التنسيقي أمام أطراف تحالف (انقاذ وطن) المتمثل بتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، بعد اتهامهم بانهم مدعومين من إسرائيل والإمارات، ويسعون إلى تفكيك التحالف الشيعي وهوية الكتلة الأكبر، التي اصر عليها الإطار بأن تكون شيعية خالصة.

لهذا فان احراج السيد الصدر للإطار التنسيقي المتكرر دون جدوى، كان الهدف منه كشف الإطار التنسيقي سياسياً بعدما رفعوا لواء الاغلبية السياسية في انتخابات عام 2014 و2018، لكنهم وقفوا ضد اغلبية الصدر بتبريرات حزبية ومذهبية ضيقة. فأما ان يقفزوا على اتهامهم للصدر ويسعون إلى تشكيل الكتلة الأكبر والحكومة بتحالفهم مع السنة والكرد "حلفاء الصدر في انقاذ وطن"، وينتظرون خيار المواجهة الشعبية، أو أن يفشلوا في ذلك، ويتم اللجوء إلى فرضية حل البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية، التي ستزيد من رصيد الصدر الانتخابي، وربما يستحوذ على مقاعد أكثر، حينها فان خيار الإطار بمواجهة الصدر ستكون محدودة جداً، وستمكن الاخير من التغلب عليهم، ولاسيما بعد ان جرب الإطار كل خياراته السياسية.

أو أن يحاول الإطار أو بعض أطرافه "كتحالف الفتح" برئاسة السيد هادي العامري، أن يقنع الصدر بالعدول عن قرار الانسحاب واقناعه بالمشاركة في الحكومة المقبلة "كما أقنعوه بالعدول عن مقاطعة الانتخابات التشريعية الماضية"، بعد الطعن بصحة تقديم استقالاتهم لدى المحكمة الاتحادية أو ايجاد مخرج قانوني لها.

بموازاة ذلك، فان خطوة السيد الصدر بالانسحاب من العملية السياسية، هي ازمة خطيرة على مستقبل العملية السياسية العراقية، ولاسيما واذا ما مضت الامور على حالها واصر الصدر على اعتزاله وتمكن الإطار من تشكيل الحكومة المقبلة بعيداً عن إرادة الصدر واستحقاقه الانتخابي، فان الإطار سيكون حذراً جداً في عملية التشكيل من حيث الكابينة الوزارية والمحاصصة الحزبية والقومية والطائفية واسم رئيس الوزراء القادم وطبيعة اداء الحكومة ومعالجتها للملفات العراقية كالفساد وازمة الكهرباء وحصر السلاح بيد الدولة، وملف الخدمات وطبيعة معالجاتها للأزمات المتراكمة (السياسية والاقتصادية والامنية والاجتماعية) وطبيعة العلاقة بين المركز والاقليم، وشكل السياسة الخارجية مع المحيط الاقليمي والعالمي، ولاسيما مع المحيط العربي والولايات المتحدة الأمريكية.

أو أن تولد الحكومة ميتة؛ لأن أمر تشكيل الحكومة بدون السيد الصدر أمر صعب جداً على القوى السياسية، ولاسيما في ظل قوة الصدر والصدريين ونفوذهم الشعبي، إذا ما قرروا النزول إلى الشارع، وقد يكونوا هذه المرة مدفوعين بمصادرة استحقاقهم الانتخابي وحرمانهم من مشروعهم السياسي.

خلاصة القول، يبدو بأن خطوة انسحاب الصدر من البرلمان والعملية السياسية هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، ففي الوقت الذي يعتبرها البعض بأنها مناورة سياسية، يراها أخرون بأنها أزمة سياسية خطيرة التداعيات على مستقبل العملية السياسية والنظام السياسي الذي اسسته الولايات المتحدة وكرسته القوى السياسية الحالية، ولاسيما إذا ما تم احتواء السيد الصدر.

لذلك يمكن وصف خطوة السيد مقتدى الصدر بالانسحاب وتقديم الاستقالات من البرلمان العراقي بأنها خطوة مركبة، تجمع بين المناورة الهادفة والازمة السياسية المفخخة، التي تحمل في ثناياها تحديات خطيرة قد تؤدي إلى إطلاق رصاصة الرحمة على النظام السياسي الحالي والعملية السياسية برمتها.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق