يولد العراقي وهو يحمل مشاعر سياسية، وتتكفل التنشئة الاجتماعية بترسيخ تلك المشاعر، وفقا لمنظومة الاعتقادات والقيم والهوية الاجتماعية، ثم ينمو الفرد ويتكامل وعيه، وهو يتفاعل مع البيئة الخارجية، فيحاول تكييف منظوراته، طبقا لخبراته ومعارفه ومدركاته لهذا الواقع، أنه في الحقيقة يخضع لعملية تنشئة سياسية، يكتسب خلالها الاتجاهات والثقافة والمعارف التي تصوغ آراءه السياسية.

كما يقول (1977 باولكا) في تعريفه للتنشئة السياسية، في حين يعرفها (لانغتون، 1969) بأنها الوسيلة، التي يحاول خلالها المجتمع نقل تراثه الثقافي من جيل إلى آخر، وهو في ذلك يعمل على المحافظة على القيم السياسية، التنشئة السياسية هنا تقتصر على نقل الموروث السياسي والاجتماعي. وهو عنصر مؤثر في تشكيل السلوك السياسي للأفراد.

سقت هذه المقدمة لأطرح السؤال التالي، إلى أي حدٍ تتحكم مشاعرنا وانفعالاتنا في تشكيل مواقفنا من مجمل ما يدور حولنا، وكيف تؤثر تصوراتنا المستدمجة مع مشاعر الكراهية والغضب من الآخر في صياغة سلوكنا السياسي، سواء في داخل الساحة الوطنية أو خارجها؟

أميل شخصيا إلى القول بأن آراءنا السياسة ومواقفنا النابعة منها، لا تخضع لعقلانية سياسية بقدر ما تخضع لعواطفنا وانفعالاتنا، ومقدار ما نحمل من تصورات ومشاعر كره أو حب ازاء الآخر، حسابات المصلحة غائبة، وأنا هنا لا أدعو إلى براغماتية، ولا أريد أن أنكر دور الأفكار والمبادئ والقيم في تشكيل السلوك السياسي، لكني أقول إنَّ السلوك السياسي بقدر ما يسعى لخدمة أهداف ومصالح الفرد والجماعة السياسية، فأنه لا يكون منفصلا عما نحمل من موروثات منشؤها مذهبي أو قومي أو ديني، ومن ذاكرة متخمة بالتجارب، وهذه المسبقات والقبليات تصبح كلها معيقات عن التفكير الهادئ المعقلن، الذي يغلب منطق المصالح على منطق المشاعر.

يعج البازار السياسي العراقي بمختلف الشعارات والدعوات، التي تزعم الدفاع عن مصالح الدولة العراقية وحقوقها وسيادتها، وفي ثنايا هذه الدعوات تنتصب مشاعر الولاء والاستتباع أو الكراهية والبغضاء، وكلها مسوقة بدوافع ومسورة بانفعال معين، مرتبط بذاكرة وأحداث، ويراد أن تكون لهذه المشاعر حاكمية على المواقف والسياسات.

لا أزعم أن الآخرين حيدوا مشاعرهم، بيد أن ما يميزنا في العراق عن غيرنا هو محاولة قوى وفئات سياسية تأيد المواقف وإعطائها طابعا ثابتا، فالعراقي الذي كره السعودية ومن دخل في محورها، والذي كره ايران ومحورها، والذي يحقد على الكويت وشيوخ الخليج واغنيائه، وذلك الذي يشتم الأردن ومصر وسياساتهما، ومن يعادي سوريا وحزب الله في لبنان، أو الذي يرفع صوته ضد تركيا واردوغان، أومن يرى أميركا والغرب شراً مطلقاً، كل هؤلاء اذا فتشت في ثنايا مواقفهم ستجد أن الدوغمائية والتعميم هما السبب في ذلك، إنه الدمج بين الموقف التاريخي والسياسي، الذي لا يميز بين عناصر ومفردات الصورة، أنه لا يرى المتغيرات، بل هو جامد صلد لا يحسب لقيم الضرورات ولا يقيم وزنا لمنطق الاضطرارات، إنه مشغول بالبحث عما يسوغ العداوة بالاستدلال بموقف وسياسة وسلوك محدد، إنها صورة نمطية عن صورة الذات وصورة الآخر، فأنت لا ترى في صورة الذات إلا كلَّ صواب واعتداد وتعالٍ، بينما لا يبدو الآخر الا عدوانيا ومتآمرا وخسيسا. تحويل الاختلاف إلى صراع ماهوي هوياتي، يقطع الطريق على الحلول الوسط والتسويات الضرورية.

في المنطقة العربية اتسم الصراع بين قوى اليمين واليسار بصفة العداء المستحكم على طريقة صراع الأديان والمذاهب، الصراعات اللا هوتية لا تعايش فيها ولا تقبل أنصاف الحلول أو التنازلات المتبادلة، تعلمت الأجيال العربية وفي العراق مجال حديثنا، أخلاق المغالبة والإقصاء للآخر المختلف، صيغ المشاركة مرفوضة، التفاهم مع الآخر ينم عن ضعف وتراجع، وفق هذه الرؤية.

في العلاقات الحزبية وفي العلاقات الدولية، حينما كان اليسار الماركسي او القومي، يشنُّ حروبَه الكلامية عبر آلته الإعلاميَّة والتواصليَّة، كان الخطاب مقذعا في مفرداته والقسوة أبسط مكونات قاموسه السياسي، فلا مهادنة مع أعداء الأمة والوطن!، ولا مسامحة مع أنظمة وأحزاب اليمين والعمالة الفكرية والسياسية، هكذا كانت توصم!، مضى هذا الخطاب ليترك ثقافة المفاصلة الممزوجة بالعداوة، ومشاعر الكراهية والرغبة في تحطيم الآخر، والمكابرة في الاعتراف بخطأ الخصومة المؤدلجة، التي تقفز على حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.

عملت الآلة البعثية على انتاج خطاب التخوين ونشر العداوات وتحطيم الاخر وتبخيسه، ثم لم يجد هذا الخطاب بُدّا من الانقلاب على من عاداهم بالأمس، ليعود حليفا ومتملقا، ثقافة الكراهية لا تصلح معيارا وقاعدة لسياسات الدول، فليست هناك عداوات دائمة وصداقات مؤبدة، قدم الفيتناميون أنموذجا لما يعرف بمنهج المصالح والتسامح، أحرقت أميركا مدنا وقرى بمساحة بلدان قائمة بذاتها، وقتلت عشرات الآلاف من الفيتناميين.

لكن حينما انتصر الفيتكونغ وارتفع علم النجمة الحمراء وسادت اشتراكيتهم، التي وزعت الفقر بقوة الدولة، اكتشفوا لاحقاً أن العيش على الذاكرة والاحتفال المتكرر بالنصر السياسي والاعلامي، لا يطعم المزيد من الفقراء ولا يمنع عن السلطة غضب المحرومين. ثلاثون عاما كانت كافية لينسى الفيتناميون ثأرهم من الأميركان، ثم نجحوا في جعل أعداء الأمس اكبر مستثمر في اقتصادهم، فارتفعت مداخيلهم ثلاث مرات، وتحولت بلادهم إلى نمر آسيوي جديد وانصرفت البلاد تحث خطاها نحو التحول الكبير، من الاقتصاد المغلق إلى الاقتصاد المفتوح، بكل ما يشترطه ذلك من علاقات وطيدة مع الجيران وأسواق مفتوحة وأولويات جديدة، ولم ينس الناس هويتهم وثقافتهم، ولا استمروا يلوكون الكلام ويستعيدون سرديات الحرب، وغيرهم يراكم الثروات ويعيش بأمن وأمان.

تحضر صورة العراق في لحظته الزمنية الراهنة، وكل حزب يريد العراق على صورة عداواته وميوله ورغباته وكراهياته، من يعادي إيران لا يريد ان يتزحزح عن عداوته، ناسيا حتميات الجغرافيا والتاريخ والثقافة، ومن يكره الاتراك لا ينظر الا إلى صورة الجزمات الثقيلة للعسكر العثماني، ويهمل الحاضر التركي ومتغيراته، ومن صعب عليه التوافق مع السعودية، يستحضر الفكر السلفي القتالي والتشدد السابق للمذهبية الوهابية ومؤسساتها الدينية وكتبها ومنشوراتها وخطابها وفتاواها، ولا يرى انفتاحا وتغييرا اجتماعيا وتصورات ستراتيجية جديدة ازاء العراق والمنطقة، الناس تجري خلف مصالحها، والعراق لديه مصالح عطلتها أيديولوجيات اليسار وثقافته، التي أورثها للجمهور، حتى بعد موت البعث وهزيمة أفكار اليسار، اعداء اليسار يمكن أن يقعوا بذات الأخطاء، التي كان كانوا ينكرونها على اليساريين، ثم الندم بعد فوات الأوان.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق