ان المتتبع لتاريخ المنطقة العربية خلال الثمانين سنة الماضية يكتشف إن هذه المنطقة كانت دائما عرضة لحرب إقليمية أو دولية منذ العقد الرابع من القرن الماضي إلى يومنا هذا، إذ لم يمر عقد من الزمن منذ أربعينات القرن الماضي دون وقوع حرب كانت فيها القوى الدولية والإقليمية والعربية منخرطة في نزاع مسلح.

ويبدو أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين لن يكون استثناء لهذه القاعدة. ففي خلال الأشهر الماضية ظلت اصوات طبول الحرب تسمع بين الحين والآخر حتى باتت عالية وواضحة خلال الأسابيع المنصرمة.

ان كل المؤشرات الإقليمية والدولية تشير بوضوح إلى حرب إقليمية قادمة قد لا تكون شاملة، لكنها بالتأكيد شديدة التأثير طرفاها هما الكيان الصهيوني وإيران.

انه تصاعد الضربات الصهيونية في سوريا وفي العمق الإيراني، يقابلها عمليات عسكرية إيرانية معلنة أو غير معلنة ضد (إسرائيل) ومصالحها في الخارج، مع تصاعد حرب التصريحات الكلامية بين الطرفين هي مؤشرات واضحة على ارهاصات الحرب القادمة.

يأتي ذلك كله في خضم توقف المباحثات النووية بين أمريكا والغرب من جهة وبين إيران من جهة أخرى وما أعقب ذلك من تصريحات متشنجة متبادلة بين مسؤولي كل من الادارة الاميركية ومنظمة الطاقة الذرية الدولية، والمسؤولين الإيرانيين.

لذا لم يكن مستغربا قراءة وسماع أحد أهم عرابي السياسة الدولية هنري كيسنجر وهو يقول إن الأوضاع الدولية الراهنة تشي بحرب مقبلة في الشرق الاوسط. والسؤال الكبير الذي يجب أن يشغل بال كل السياسيين في العراق هو مدى تأثير تلك الحرب أن حصلت لا سمح الله على العراق؟ من الناحية الجيواستراتيجية لن يكون شكل هذه الحرب شكلا تقليديا وسيتجسد بضربات متبادلة بين الطرفين سواء للعمق الاستراتيجي لكل منهما أو لمصالحهما في المنطقة أو في العالم.

هذا يعني أن العراق سيكون في عين العاصفة لاعتبارات جغرافية واستراتيجية معروفة. ومما يزيد الأمر تعقيدا على العراق هو حالة التفكك والتشرذم السياسي الداخلي الذي يجعل اتخاذ قرارات مصيرية مهمة شبه مستحيلة في ظل الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاصل في العراق منذ مدة. ان هذا الاستقطاب الحاد بين الفرقاء السياسيين يجب أن لا يجعل البعض يقعون في خطأ استراتيجي كبير مفاده أن النفود الصهيوني في العراق ?هو أفضل من النفوذ الإيراني فيه وبالتالي السماح باستخدام الأراضي والمصالح العراقية بل وحتى الظهور اعلامياً كطرف في الحرب ضد ايران وشعبها.

لا بل يجب أن يكون واضحا انحياز العراق الكامل ضد الكيان الصهيوني الغاصب. لكن هذا الانحياز يجب أن لا يكون على حساب المصالح العراقية التي يجب أن تأتي في مقدمة وقمة أولويات صانع القرار العراقي.

وعلى الرغم من تأكدي بان صناع السياسة في العراق مستقطبين بشدة من جهة، ومركزين بشدة على الشأن اليوم السياسي المعقد من جهة أخرى الا أن دوائر اتخاذ القرار المعنية بالشأن الاستراتيجي للعراق عليها أن تبدأ بوضع السيناريو هات وخطط العمل التي ينبغي اتباعها إذا ما حصلت المواجهة لا سمح الله. أن هناك ملفان استراتيجيان مهمان ينبغي التفكير فيهما من الآن اولهما يتعلق بالوضع الاقتصادي العراقي.

ان اندلاع الحرب سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية مهمة بخاصة على صعيد الطاقة والنفط. ولن يكون مستبعدا قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز او أيقاف الملاحة الدولية في الخليج العربي كجزء من استراتيجيتها الحربية في مواجهة الكيان الصهيوني. حين ذاك سيجد النفط العراقي مشاكل كبيرة في الوصول إلى مستهلكيه الرئيسيين في آسيا عن طريق الخليج العربي، أن البدائل المتاحة حاليا للعراق لمواجهة هذه المشكلة ليست كافية، ففضلا عن قلة طاقته، فان خط الانابيب عبر تركيا قد يواجه مشاكل سياسية في ظل ظروف الحرب.

إن عرقلة تصدير النفط العراقي في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة وضع في الاقتصاد العراقي واعتماده الكلي على النفط ستكون له نتائج كارثية على العراق. لذا من المهم الاسراع بالتفتيش عن الخيارات البديلة المتاحة. اما الملف الثاني الذي يجب على صناع القرار الاستراتيجي العراقي أن ينتبهوا له فهو الملف الأمني.

إن أي اختلال أمني يحصل في العراق نتيجة هذه الحرب ونتيجة تحول أرض العراق إلى ساحة معركة بالنيابة سيؤدي بلا شك إلى تداعيات أمنية خطيرة يجب حسابها بدقة أبرز هذه التحديات الأمنية الممكنة هي استثمار داعش والارهاب للأوضاع، وثاني هذه التحديات الأمنية سيتمثل في منع طرفي نزاع من استهداف الأراضي والمصالح العراقية بحجة أنها تستخدم لتهديد أمن الطرف الآخر. من هنا يجب الحذر من اي خطاب ايد يولوجي غير منضبط بالمصلحة الوطنية العراقية.

بقي ان أذكر بما قلته من سنين لمن قد (يفرحون) بضرب إيران بحجة تقليم اضافرها في العراق والمنطقة، ان اي حرب ستدخلها إيران سيكون العراق فيها اول الخاسرين، لأسباب كثيرة ليس مجالها هذا المقال. كما أقول للحالمين الايدلوجيين، ان العراق هو وطنكم الذي بدونه سوف لن يكون لكم غطاء وستعودون مشردين خارجه كما كنتم. وأقول لشعب العراق حماك الله من قصيري النظر والطائفيين والمؤدلجين وكل من يضع مصلحته، او حزبه، او عقيدته فوق مصالحك.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق