يقف العراق اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية ومنعطفات سياسية ودستورية خطيرة تسودها الازمات والمشاكل في ظل غياب الحلول الجذرية وهيمنة الرؤى المرحلية المعتمدة على توافقات منتصف الليل.

فالإنغلاق السياسي هو الحاضر والخلافات السياسية هي المتحكمة وعدم القدرة على إيجاد الحلول حتى مع وجود دستور ديمقراطي هو الظرف المثالي للقوى السياسية التي لن تكون قادرة على ادارة القادم بعد أن أثبت الواقع وصولهم إلى شاطئ غير آمن.

يرى الكثير من العراقيين ان السبب الرئيس في هذه الاختلالات هو انحراف النظام السياسي وان الدستور لم يعد مناسبا كلياً لإدارة الدولة بسبب غموض بعض مواده وقابليته للتأويل والقدرة على انتهاكه وتعليقه والتجاوز عليه مراراً وتكراراً، والحل الامثل لمواجهة هذه الاختلالات هو تعديل الدستور وتصميم نظام سياسي جديد تكون مخرجاته ملائمة للواقع السياسي، الحقيقة أزمة العراق ليست فقط بالدستور، قد يكون الدستور العراقي غير كامل لكن دستور ناقص خير من عدم وجود دستور اساساً، أزمة العراق الان تتمثل في لي عنق الدستور.

نقص الخدمات والكساد والبطالة ليس له علاقة بالدستور بل هناك عيب في تطبيق النصوص الدستورية والقوانين النافذة، فلننصف الدستور لأن تعديله لا يعني انتهاء مشاكل العراق، اذا لم تحترمه القوى السياسية اساساً.

فالإصلاح والقيام بالأعباء والواجبات لا علاقة له بالدستور، الانسداد السياسي سببه الخلافات السياسية وعدم الاتفاق على تقسيم المناصب والمواقع وليس تفسير النص الدستوري، فالدستور يركن على الرف حينما يتعارض مع المصالح الفئوية وخيار اللجوء إلى العنف هو البديل عنه، فالاستقواء السياسي بالسلاح على الدولة وعلى الخصوم والدستور يكون حاضرا حينما يتعارض الدستور مع المصالح الحزبية وحتى التمسك بالدستور لا يعني احترامه بقدر ما يكون وسيلة معارضة ومخاصمة للتعطيل وسلب المشروعية من الفرقاء، حقيقة العلة ليست في الدستور او النظام السياسي ومن يعتقد ذلك، فقد شخص المرض تشخيصا خاطئا، وهذا هو أصل الداء والبلاء.

الحقيقة ان اهل السلطة تقاسموا المسؤولية في استخدامهم العنف كوسيلة لتحقيق الاهداف السياسية، وبالتالي هم مسؤولون عن كل الكوارث التي حلت بالدولة، وعلى كل منهم أن يراجع ذاته ويقوم بقراءة نقدية لتجربته السياسية ليعرف حجم حصته من عملية التدمير المنهجي التي طالت الدستور والقضاء والمؤسسات وسيادة القانون والقيم والانتماء الوطني، فتح التجرؤ على الدستور الباب على كل أنواع الانتهاكات لكل الأسس التي تقوم عليها الدولة والمواطن والنظام العام.

انتهاك الدستور والقوانين الذي مارسته الطبقة الحاكمة وتسببت به، أصبح هو القاعدة واحترامه والالتزام به هو الاستثناء، وشكل التطاول عليه حافزاً للتطاول على كل القوانين والانظمة والتعليمات.

العراق يعيش أزمة في تطبيق الدستور والقانون، فالعبرة ليست بوجود الدستور سواء كانت نصوصه ومواده ايجابية ومحكمة أو بوجود تعارض فيه، وغموض، فكل دساتير العالم فيها خلل ونواقص لكن العبرة في من يطبق الدستور ويحترمه ويخضع له، لا يمكن نكران وجود العديد من الثغرات في هذا الدستور، ولكن التعامل الإنتقائي للمكونات أو للأطراف السياسية مع هذا الدستور خلق أزمات عدة، حينما يتم الطلب من المحكمة الاتحادية تفسير النصوص الواضحة التي لا اجتهاد في موردها، فهذا يعني ان الخلل فيمن يطلب ذلك فهناك نصوص واضحة ويطلب من المحكمة الاتحادية أن تعطي تفسير آخر للتعامل مع هذا النص، مثلما حصل في الكثير من النصوص مثل الكتلة الأكبر عددا حتى بعد توضيح المحكمة الاتحادية بقرارها عام ٢٠١٠ طلبوا ثانية وثالثة من المحكمة الاتحادية للإفتاء حول مفهوم الكتلة الأكبر.

وكان رأي المحكمة الاتحادية مستقرا على هذا المفهوم حول الكتلة الأكبر بأنها التي تشكل داخل مجلس النواب، حتى تم تعديلها في القرار الأخير لتصبح الكتلة التي تشكل حتى بعد انتخاب رئيس الجمهورية وليس بالضرورة في الجلسة الاولى عن طريق رئيس السن، لكن ذلك لا يعني بانها الكتلة الانتخابية الفائزة بأكبر عدد من المقاعد بل الكتلة النيابية الاكثر عددا التي تتشكل داخل المجلس من اول جلسة ولغاية انتخاب رئيس الجمهورية.

في ظل هذه المعطيات فان الدستور تم تشييعه الى مثواه الاخير واعلن عن موته خاصة ان طرق تعديله معقدة وميتة فالمادة المادة (142) وهي مادة استثنائية مؤقتة اضيفت للدستور نتيجة الضغط من قبل الأمم المتحدة لغرض ترضية المكون السياسي السني، فحدثت اتفاقات بموافقة المكونين الشيعي والكردي، والسنة طلبوا وضع مادة في الدستور تضمن لهم اعادة النظر في هذا الدستور الذي كتب في غيابهم، فتم وضع المادة (142) وخلاصتها يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة تمثل المكونات الرئيسة للشعب العراقي تقوم بإجراء التعديلات الضرورية ثم تقدم تقريرها إلى مجلس النواب خلال أربعة أشهر، وشكلت هذه اللجنة في بداية عمل مجلس النواب لمدة 4 أشهر ولم تكتمل وتم تمديدها إلى أربعة أشهر أخرى إلى أن استمرت لمدة ثلاث سنوات، ومن ثم بعد ذلك نسفت كل التعديلات عندما لم يكن هناك اتفاق مع الأخوة الأكراد حول مواد النفط والغاز والفيدرالية والمادة (140)، وفي عام ٢٠١٧ اصدرت المحكمة الاتحادية قرارها التفسيري ٥٤ اتحادية الذي نص على ان تطبيق احكام المادة ١٢٦ من الدستور المعنية بتعديل الدستور في الاحوال الاعتيادية لا يكون إلاّ بعد البت في التعديلات التي أوصت بها اللجنة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة (142) ووفق الاجراءات المرسومة بهذه المادة.

ما يعني انها رفعت الحظر الزمني الذي نصت عليه اصل المادة بأربعة اشهر وقيدت تعديل الدستور وفقا للمادة (126) التي تعد الاصل في تعديل الدستور، لكن المادة (142)، تصطدم بالحظر الجغرافي وضرورة حصول التوافق السياسي لجميع المكونات وهذا مستحيل فاشتراط أن تكون اللجنة ممثلة من المكونات الرئيسية، سيكرس اما المحاصصة في تعديل الدستور، وبالتالي لن يقدم شيء جديد او لن يصلوا الى نتيجة وهذا المتوقع وان حصل خلاف ذلك فالحظر الجغرافي سيكون هو الفيتو الحاضر لأي تعديل دستوري يضر بمصالح اي مكون او حزب لديه ثقل سياسي في ثلاث محافظات.

فالدستور لن يمر بالاستفتاء الشعبي لأنه مقرون بعدم رفضه من قبل ثلثي المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر، اما المادة (126) فهي الطريق الاعتيادي لتعديل الدستور لكن المحكمة الاتحادية بقرارها التفسيري اعلاه حكمت عليها بالموت ولو افترضنا ان المحكمة تراجعت عن قرارها المذكور وتشكلت محكمة اتحادية جديدة تنقض قراراها السابق وهذا صعب ومعقد فان طريق امضاء التعديلات الدستورية التي يجب ان تكون مقترحة أما رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو من خمس أعضاء مجلس النواب، ثم بعد ذلك يتم التصويت عليه داخل مجلس النواب بأغلبية الثلثين ثم يعرض على الاستفتاء الشعبي، وهنا اغلبية الثلثين صعبة جدا ولا يمكن ان تتحقق فأساس التعطيل والانسداد السياسي نتيجة عدم وجود هذا النصاب في قضية شكلية ومؤقتة وهي انتخاب رئيس الجمهورية فكيف تتحقق في مسألة جوهرية وحساسة كالتعديلات الدستورية؟.

ما يؤكد موت الدستور لا ينحصر فقط بعدم القدرة على تعديله، بل في مسألة الركون الى المحكمة الاتحادية من قبل الفرقاء السياسيين ليس في الوظائف الاساسية المتعلقة بتفسير مواد الدستور الاساسية والشكلية كالمصادقة على نتائج الانتخابات بل في كل صغيرة وكبيرة ووصل الطعن عندها حتى في صحة عقد جلسة للبرلمان او دعوة انعقاد او فتح باب الترشيح لرئاسة الجمهورية واي قرار او بيان او امر ديواني او تشكيل لجنة سابقة او حالية، او صحة عضوية نائب...، ما يؤكد ان مستويات الخلاف كبيرة جدا وان الدستور لم يعد صالحا رغم ان العيب ليس في الدستور نفسه انما فيمن لا يطبقوه.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق