على الرغم من مرور أكثر من ستة أشهر على اجراء الانتخابات التشريعية العراقية التي جرت في العاشر من تشرين الاول/ اكتوبر من العام الماضي، إلان ان مشهد وسيناريو تشكيل الحكومة العراقية المقبلة لا يزال غامضاً ومعقداً؛ ونتيجة لهذا التعقيد والتحركات والمناكفات السياسية بين القوى والاحزاب السياسية العراقية طيلة المدة التي تلت الانتخابات وحتى الآن، يمكن أن نستقرأ عملية تشكيل الحكومة المقبلة من خلال اربعة فرضيات، وسنخوض بتفاصيل كل فرضية من خلال تصور السيناريو المترتب عليها.

الفرضية الاولى: من الممكن ان تذهب بتشكيل حكومة اغلبية وطنية كما يريد زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر بالاتفاق مع حلفاءه بالحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة واستمالة بعض المستقلين والمنشقين من الاحزاب والقوى الاخرى. هذه الفرضية على الرغم من صعوبتها الكبيرة جداً والمعارضة السياسية التي لاقتها من قوى الإطار التنسيقي وبانت ملامحها في جلستي مجلس النواب الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية نهاية اذار الماضي، لكنها من الممكن ان تمضي بعد انقضاء مهلة الصدر لقوى الإطار التنسيقي، في حال نجح السيد الصدر بمساعيه السياسية وتمكن من اقناع بعض المستقلين.

سيناريو هذه الفرضية يبدو واضح للعيان، لكنه قد يكون مبهم للأخرين ويحمل مخاطر انقسام وتداعيات مستقبلية على الدولة والتجربة الديمقراطية برمتها، ولاسيما اذا ما مرر مشروع الاغلبية الوطنية أو السياسية رغماً عن قوى الإطار التنسيقي، الذي سيسعى "بشتى الطرق" إلى افشال هذا المشروع؛ لما يتضمنه من تهديد لنفوذه ووجوده ومستقبل قواه السياسي. وصعوبة هذا السيناريو تكمن في موضعين:

الاول: تبني السيد الصدر له، بمعنى اخر أن تبني الصدر لمشروع الاغلبية وتحّمله مسؤولية الحكومة بعد اربع سنوات، باعتباره اباً سياسياً لها، سيضع الصدر وتياره وحلفاءه في موقف حرج (اما اكون أو لا اكون)، وانطلاقاً من هذه المسؤولية ربما يسعى الصدر إلى تطبيق سلطة انفاذ القانون وفتح ملفات الفساد والاغتيالات في العراق، ولاسيما عمليات الاغتيال والاستهداف التي رافقت تظاهرات تشرين واستهداف بعض الإعلاميين والمحللين كقضية هشام الهاشمي واحمد عبد الصمد وغيرهم، أو فتح ملفات خطيرة مثل سقوط الموصل وسبايكر، ولاسيما اذا ما عرفنا ان لجنة سقوط الموصل التي تشكلت بعد احداث ايلول 2014 كانت برئاسة نائب رئيس مجلس النواب الحالي (السيد حاكم الزاملي) التي ادانت السيد المالكي أنذاك، أو من الممكن ان يدخل الصدر بمواجهة الادارة العميقة للدولة على اقل تقدير؛ وذلك من خلال الاطاحة بالأيادي المتنفذة في كل مؤسسات الدولة او ما نسميه مصطلح (الدولة العميقة) وتقليم مخالب بعض القوى السياسية المتنفذة في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وسد الطريق على تلك القوى في قضية بيع مزاد العملة وتهريبها، والسيطرة على المنافذ الحدودية وملف المصارف غير الحكومية... وغيرها من القضايا الجدلية التي ادت إلى اتساع وبناء الامبراطوريات الحزبية في العراق، نوايا بانت ملامحها من خلال سعي التيار الصدري إلى تغيير إدارة المحافظات المحلية لصالحه كما حصل في محافظة النجف ومساعيه لإدارة بعض المحافظات الوسطى والجنوبية.

اما الموضع الثاني فان صعوبته تكمن في مدى تماسك تحالف الصدر مع الحزب الديمقراطي وتحالف السيادة، ومستقبله السياسية بالنسبة لعمر الحكومة المقبلة، فهل سيُسند السيد الصدر من حلفاءه (الديمقراطي والسيادة) في كل اجراءاته وبرنامجه الحكومي او في كل القضايا "أنفة الذكر" التي يريد السيد الصدر تنفيذها في برنامجه الحكومي أم ستكون هناك املاءات سياسية – براغماتية وسيادية من قبل الكرد والسنة على مشروع الصدر، قد تفوق ما يريده الصدر من إصلاح سياسي واقتصادي، ووضع منهج صحيح للعملية السياسية والديمقراطية في العراق؟ بموازاة ذلك "واذا ما افترضنا" بأن الامور سارت كما يشتهي السيد الصدر، إلا أن قوى الإطار والفصائل المسلحة ومن يدعمها، ستبذل بكل ما وسعها إلى عرقلة حكومة الصدر بصورة أو بأخرى.

الفرضية الثانية: مفادها ان قوى الإطار ربما تصل إلى عملية تشكيل الحكومة المقبلة على غرار صورة الفرضية الاولى، لكن من دون التيار الصدري، أو دفع التيار الصدري وبعض المستقلين إلى المعارضة. سيناريو هذه الفرضية يبدو صعب جداً لكنه سيكون خياراً متاحاً أمام الإطار التنسيقي، ولاسيما اذا ما اصر السيد مقتدى الصدر على قناعته السياسية، خيار ربما تتقبله قوى الإطار على مضض عكس ما تريد، لاسيما وانها تدرك جيداً طبيعة معارضة السيد الصدر للحكومة وهو طرفاً فيها، فيكف لنا ان نتخيل المشهد السياسي وشكل الحكومة وطبيعة عملها في ظل معارضة سياسية صدرية بموازاة بعض القوى السياسية الجديد المنبثقة من تشرين وغيرها، معارضة سياسية دفعت بالصدر خارج رغبته السياسية بعيداً عن استحقاقه الانتخابي الاول...؟!

لهذا يبدو بان سيناريو هذه الفرضية معقد جداً وربما لا تمضي فيه الحكومة أكثر من اشهر معدودة او سنة في افضل الحالات، وبالتالي فان فشل هاتين الفرضيتين سيضاعف فشل الإسلام السياسي في العراق، وسيزيد من رصيد فشله السياسي المتلاحق لمدة عقدين من الزمن. وبالتالي سليقي بتداعياته على الدولة والمجتمع والنظام السياسي.

الفرضية الثالثة: تذهب مع منطقية العرف السياسي السائد منذ عقدين في عمليات تشكيل الحكومات العراقية السابقة، وهو الخيار التوافقي، كما يريد الإطار التنسيقي وبعض القوى السياسية، وهو خيار قائم، ومسنود إقليمياً، على الرغم من موقف زعيم التيار الصدري منه، الذي اكد في مرات عدة بأنه لا يذهب بخيار المحاصصة والتوافق هذه المرة، ولا يريد أن يمضي بخلطة عطار "كما سماها سابقاً"، لكن من الممكن أن يستنفذ الصدر كل خياراته السياسية ويلجئ إلى عرف العملية السياسية والتوافق مع كل القوى والاطراف السياسية بشأن تشكيل الحكومة القادمة.

وسيناريو هذه الفرضية يبدو سهلاً جداً للقوى السياسية التي اعتادت على ترحيل الازمات والحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية وتمشية امور البلد وفقاً لسياساتها السابقة، ولاسيما ان جميع تلك القوى لديها خبرة سياسية بذلك، وهو ما يؤلها للصراع وكسب الصراع في الحكومات التوافقية.

إلا أن ان هذا السيناريو يبدو صعباً جداً اجتماعياً، ولاسيما في ظل الاوضاع السياسية الحالية وحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، الذي ينذر بمخاطر جمة... سيناريو من الممكن ان يتقاسمه أنصار الصدر وتشرين في اشعال الشارع بالاحتجاجات ضد اي حكومة، وان الطرفين لهما ما يؤهلهما في الشارع العراقي ولهما تجارب سابقة بذلك، ولاسيما ان بعض صورها الاحتجاجية ما تزال قائمة.

الفرضية الرابعة: استمرار الوضع على ما هو عليه، أي بمعنى ان تمضي الامور بخرق المدد الدستور، والاستمرار بعدم انتخاب رئيس جمهورية. وسيناريو هذه الفرضية يكمن باتجاهين:

الاول: أن يتم اللجوء إلى حل البرلمان والدعوة إلى اقامة انتخابات مبكرة، بغض النظر عن طبيعة وآلية حل البرلمان.

الثاني: من الممكن ان تمضي الامور دون انتخاب رئيس جمهورية واستمرار جلسات مجلس النواب في ظل مقاطعة نواب قوى الإطار والمتحالفين معه، مع تفعيل فقرة الغياب في جلسات البرلمان، التي بموجبها من الممكن ان تلجئ رئاسة البرلمان إلى تغييب النواب المقاطعين، ولاسيما نواب الإطار – اذا ما استمروا بالغياب عن جلسات المجلس – الأمر الذي من شأنه أن يزيد من احتمالية عقد الجلسة بنصاب كامل أو أن يؤدي إلى صعود نواب جدد بدلاً عن النواب المتغيبين، اذا ما تم بالفعل تفعيل النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي، الذي ينص على ان تكرر الغياب من دون عذر مشروع خمس مرات متتالية او عشر مرات غير متتالية خلال الدورة السنوية أن توجه تنبيهاً خطياً إلى العضو الغائب تدعوه إلى الالتزام بالحضور وفي حالة عدم امتثاله لهيئة الرئاسة يعرض الموضوع على المجلس بناءً على طلب الهيئة.

بالمجمل يبدو بان كل فرضيات وسيناريوهات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة تحمل تداعيات ومخاطر كبيرة على كافة المستويات، مخاطر من شأنها أن تودي بالنظام السياسي القائم والعملية السياسية إلى الهاوية، مع ذلك من الممكن ان يتم تحجيم تلك المخاطر من خلال دعم مشروع الاغلبية السياسية والمضي بخطواتها التنفيذية والتشريعية، التي من شأنها أن تفرز الحزب الذي يتبناها ويتحمل مسؤوليتها في (النجاح والفشل) ومواكبة عملية التطور الديمقراطي الملازمة لكل الانظمة السياسية الديمقراطية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق