مع استمرار الحرب الروسية–الاوكرانية، توسعت اثارها وانعكاساتها خارج بلدي الصراع والحرب، وباتت تلحق الضرر بالعالم ككل والذي يعاني بالأصل من معدل تضخم مرتفع نسبيا، ومن تدهور سلاسل التوريد العالمية ومنها سلاسل توريد المواد الغذائية، بسبب جائحة كورونا والتي كان لها اشد التأثير على البلدان النامية بالخصوص.

وبالنتيجة بدأت تثار الاسئلة حول توافر المحاصيل الغذائية الاساسية والمحاصيل الاستراتيجية، لان اكثر من ربع مبيعات القمح السنوية في العالم تأتي من اوكرانيا وروسيا، والحرب قادت الى ارتفاع كبير في اسعار الغذاء. التخوف في المستقبل يثار حول المواسم القادمة، اذ ان ارتفاع اسعار النفط وكلف الشحن والتأمين قادت الى ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي وفي مقدمتها الاسمدة.

عالميا، وعلى الرغم من اتجاهات القلق، يؤكد البنك الدولي، ان المخزونات العالمية من الارز والقمح والذرة –وهي اهم ثلاث مواد غذائية في العالم- لاتزال مرتفعة على نحو غير مسبوق، وتظل مخزونات القمح، وهو السلعة الاكثر تضررا من الحرب الاكرانية–الروسية، اعلى بكثير من مستوياتها ابان ازمة اسعار المواد الغذائية في 2007–2008 . وتشير التقديرات ايضا الى انه تم بالفعل تسليم نحو ثلاثة ارباع صادرات القمح الروسي والاوكراني قبل اندلاع الحرب.

بالرغم من ذلك، يبقى الوضع في العراق يمتاز بخصوصية فيما يتعلق بأسعار الغذاء واوضاع الامن الغذائي في ظل مؤشرات الاقتصاد الكلي المتدهورة والتي تؤثر بشكل او بآخر على معدلات الفقر والتي في الاصل هي مرتفعة وبلغت معدل يفوق 31%، ولم تنجح استراتيجيتين للتخفيف من الفقر للمدة 2014–2022.

فيما يرتبط بالأمن الغذائي، سبق وان اعلنت وزارة الزراعة على لسان الوزير في 22/آذار الماضي ان الخزين الحالي لدى وزارة التجارة من محصول القمح يحقق الاكتفاء لمدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. مبينا ان قد يصل الانتاج لهذا العام الى 3 ملايين طن بانخفاض 500 الف طن عن العام الماضي. فضلا عن ذلك، تبرز خلال هذه السنة انخفاض التساقط المطري في عموم العراق ولاسيما في وسط وجنوب العراق. وبالنتيجة هذا يقود الى تخفيض في الخطة الزراعية للموسم القادم.

من جانب آخر، وكأجراء مسبق لمواجهة ازمة اسعار المواد الغذائية، اعلنت الحكومة العراقية في مطلع الشهر الجاري فتح باب الاستيراد للمواد الغذائية كافة لمدة ثلاثة أشهر، وانها اتخذت عدة إجراءات، فعقدت جلستين طارئتين وأصدرت العديد من القرارات واجبة التنفيذ، بعضها تم تنفيذه على أرض الواقع لمواجهة الأزمة الغذائية منها تسلًم محصول الحنطة المحلية داخل وخارج الحصة المقررة للموسم الحالي ورفع سعر طن الحنطة من 560 ألف دينار الى 750 ألف دينار ودفع مستحقات الفلاحين للموسم الماضي خلال عشرة أيام وذلك تمّ إنجازه، وانه تم السماح لوزارة التجارة استيراد الحنطة بسقف لا يتجاوز الـ 3 ملايين طن وتصفير الرسوم الجمركية على المواد الغذائية والانشائية والأدوية، وتقرر ايضا الغاء جميع القرارات المتعلقة باستيراد المواد الغذائية لمدة ثلاثة اشهر واطلاق حصتين لشهر رمضان.

تبقى تحديات الامن الغذائي قائمة في العراق وذلك بفعل عدم الاستقرار السياسي، والامن الهش، اسباب اقتصادية ترتبط بعدم اقرار الموازنة العامة للبلاد وبالتالي لن تتمكن الحكومة من زيادة الانفاق على مفردات البطاقة التموينية أكثر من العام الماضي. كما لا يمكنها تبني اجراءات داعمة للنشاط الزراعي فيما يخص مستلزمات الانتاج الزراعي، كالوقود والاسمدة، اذا ما قررت الحكومة ان تعتمد برنامج لدعم مستلزمات الانتاج الزراعي كالأسمدة والوقود.

تحدي يرتبط بندرة الموارد المائية اللازمة لتغطية الخطة الزراعية. اذا اكدت وزارة الزراعة على انها وضعت خطة زراعية تحقق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح في الموسم القادم. ومشكلة المياه متعددة الاسباب، اهمها انخفاض التساقط المطري في العراق، وقطع الجانب الايراني لجميع الروافد والانهار. وبالتالي لا طريقة سوى تكثيف الحوارات مع الجانب التركي لزيادة الاطلاقات المائية لتوفير المياه اللازمة للخطة الزراعية القادمة.

دعم المستهلكين والأسر الأكثر تضرراً عن طريق شبكات الأمان، هو أحد سبل التخفيف من تأثير ارتفاع اسعار الغذاء، ومن الضروري الحفاظ على استمرار برامج الحماية الاجتماعية التي تخفف من حدة الأضرار التي تلحق بالمستهلكين، أو توسيع نطاق شبكة الحماية الاجتماعية بما يتناسب معدلات الفقر المرتفعة. كذلك الحال بالنسبة لتمويل تخصيصات البطاقة التموينية والعمل على توفير مفرداتها لـ (12) شهر.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق