في دراسة وجيزة اطلعت على مسوداتها، يقارن سفير العراق في المانيا الاتحادية، (السفير لقمان عبد الرحيم الفيلي)، مرحلة حرجة من تاريخ المانيا بواقع العراق الراهن، السفير الفيلي كتب عن جمهورية فايمار الالمانية، وهي المرحلة التي تلت هزيمة المانيا في الحرب العالمية الاولى، فقد شهدت المانيا حالة اضطراب سياسي شديد مصحوبة بصراع حزبي وايديولوجي وضغوط الدول التي تطالب بالتعويضات.

اضافة الى تضخم مالي وانهيار في قيمة العملة وتراجع شديد في مستويات المعيشة، قادت هذه الظروف القاسية المانيا الى الخضوع لحكم الحزب النازي بعد 15 عاما فقط وبادوات ديمقراطية، فالنازيون لم يصلوا الى السلطة بانقلاب عسكري ولا بعد حرب اهلية، ولكن نجحوا في استثمار الانقسام السياسي والشعور العميق بالمهانة بسبب التعويضات وشروط الاستسلام المذلة التي فرضها الحلفاء، زادتها المعطيات الاقتصادية التي نتجت من ظاهرة الكساد العظيم الذي اصاب الولايات المتحدة عام 1929 والتي ادت الى توقف المساعدات الامريكية الى المانيا وتردي الاقتصاد بعد انتعاش محدود بفعل التدخل الامريكي.

المانيا صاحبة التراث الامبراطوري والثقافة القومية المتحفزة وجدت نفسها تنساق بفعل الضيق من الاداء الحزبي والصراعات المنتشرة في كل مكان، لتقبل بانقلاب تدريجي على الديمقراطية، جعلها فريسة انحطاط سياسي لا مثيل له بسيطرة الحزب النازي على الحياة العامة وقيادته الامة الالمانية الى الانتحار مجددا بفعل جنون العظمة وحسابات التفوق العرقي والثأر من الاحزاب والايديولوجيات والدول والاعراق التي لم تقدر الشعب الجرماني حق قدره بمقاسات القوميين المتطرفين الالمان!

تجربة جمهورية فايمار نموذج معاصر لما يمكن ان يرتكبه الزعماء والساسة والاحزاب والشعب التائه والجيران وتقاطع حسابات الدول القريبة والبعيدة، فالعراق الذي يفتخر بتاريخ حضاري طويل واعتزاز كبير بماضيه العريق ووزنه الجغرافي وموارده الكبيرة، يفشل في حل مشكلات الحكم ويتراجع اقتصاديا وتحاصره المشكلات الداخلية والخارجية، ويندفع شبابه الى خيارات غير متوقعة، هذا الواقع المؤلم يرتب على السياسيين والجمهور مسؤوليات التعلم من تجارب الاخرين، فالى متى يستمر التصارع على السلطة بين مشروعين او ثلاث؟ ولماذا يخفق العراقيون في الاحتكام الى الدستور ليكون فيصلا في حل مشكلاتهم؟ وما العلل التي تدفع الطبقة السياسية الى التنازع المرير بما يفقد الناس صبرهم وثقتهم ويقربهم يوما بعد اخر من حافة العنف؟؟

من يقرأ اعوام المانيا في عهد جمهورية فايمار، سيجد ثمة تشابها وتقاربا في المشكلات، وفيما اخفقت احزاب الوسط العريقة وتراجعت شعبيتها لصالح احزاب اليمين المتطرف في قبال جنون ومثالية وثورية احزاب اليسار، جاءت انتخابات عام 1933 لتضع المانيا على سكة الشمولية والحزب الواحد والرأي الواحد، وازيح تراث طويل من العمل الحزبي المتعدد لتهيمن طفولية نازية متطرفة تخاطب المشاعر وتغيب العقل وتستهزأ بالعقلانية وتطارد المختلفين معها في كل زاوية وشارع.

هل ينتظر الساسة في العراق ثورة جياع ام ثورة انفلات مشاعر واحتجاجات ليتأكدوا ان صراعاتهم وتشبثاتهم بالمواقف ستنتج عنها مضاعفات شديدة الخطورة؟

تجارب التاريخ وقصص الشعوب تقدم دروسا عن مخاطر ازدراء التفكير العقلاني وتقديم خطابات شعبوية ورؤى تختلط فيها الاوهام بالايديولوجيات، جميع الاحتمالات السيئة غير مستبعدة حينما تتبلور فكرة مركزية في اذهان الجمهور المحبط مفادها ان مستقبلهم ضائع اذا ما أستمر الدوران في حلقة الافكار والاشخاص والاحزاب التي استهلكت نفسها وامست فارغة عن الاتيان بجديد معقول ينتظره الناس. الساسة العقلاء وذوي الفكر والنظر والنخبة الواعية المتجنبة مدعوون الى حراكات ايجابية تصنع خيارات وحلولا لا تحتمل التأجيل.

اذ يكفي العراق ضياعا للفرص وفوات 19 عاما كان يمكن ان تضعه في مسار غير مساره الحالي المحفوف بالمخاطر والتحديات الجسيمة، لدينا استعداد مجتمعي لقبول الشمولية والعودة الى السلطة المستبدة، المقارنة بين العهد الحالي والعهد البعثي أحد مؤشراتها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق