تعمدتُ استخدام عنوان صادم للبعض من جهة، وقد لا ارتاحُ له شخصياً من جهة أخرى لإيصال درس تعلمته من حياتي الأكاديمية والمهنية. ففي كلية الاركان ندرس كيف تُربح (المعركة)، لكن في كلية الدفاع الوطني كنا نعلّم ونتعلم كيف تُربح (الحرب)، وشتان بين ربح معركة وربح حرب.

الحروب لا تربح بالسلاح والجيوش وحدها، بل بطيف واسع من أدوات القوة الخشنة والناعمة داخل وخارج الوطن يقع الاقتصاد والجيش في مقدمتها. لا شك ان الجيش الروسي هو أحد أفضل الجيوش في العالم ويتنافس مع الصين على المركز الثاني. ولا شك ان حسابات القوة العسكرية المجردة تجعل التفوق الروسي مقابل الاوكراني تفوق كاسح لا يمكن لأي عاقل أغفاله. مع ذاك فأن الترسانة الروسية تحاول منذ شهر ان تحقق أي من أهدافها (العسكرية ناهيك عن الاستراتيجية) ولم تتمكن من ذلك.

وعلى الرغم من عدم اطلاعي التفصيلي على مجريات الحرب لكن الصورة الاكبر تبدو واضحة فالجيش الروسي يواجه مقاومة لم يكن يتوقعها ولديه كثير من المشاكل العملياتية واللوجستية جعلته يلجأ الى الاستخدام المكثف للنيران (الذكية وغير الذكية) مما يهدد موقفه السياسي والدولي أكثر مما عليه الان. لكن الوصول لاستنتاج ان روسيا تخسر الحرب لم يبنى على الوقائع العسكرية حسب بل قبل ذلك على الحقائق والارقام الاقتصادية.

قوة اقتصادية

قبل أيام قرأت مقالاً يستنتج فيه استاذ الاقتصاد السياسي الاوربي في كلية لندن للاقتصاد أن روسيا “أصغر من أن تفوز”، وهو ذات الاستنتاج الذي توقعته قبل اندلاع الحرب حينما قلت “أن روسيا ستغص باللقمة الاوكرانية وستضطر أن تلفظها في النهاية”.

على مستوى الاقتصاد الكلي، فأن روسيا لا يمكن ان تكون قوة اقتصادية عظمى أذ ان حجم الاقتصاد الروسي يأتي في المرتبة 11 عالمياً في حين ان 9 اقتصادات من العشرة الاكبر باتت اليوم تفرض حصارا اقتصادياً خانقاً على روسيا. يبلغ مقدار الناتج المحلي الاجمالي الروسي حوالي 1.7 تريليون دولار وهو اقل من 8 بالمئة من الناتج المحلي الامريكي، وأقل من نصف ناتج ألمانيا بل هو أقل من ناتج إيطاليا (حوالي 1.9 تريليون).

وفي الوقت الذي تشكل فيه السلع المصنعة والثقيلة، والالكترونيات، والكيمياويات، والادوية ثلثي الواردات الروسية، فأن 80 بالمئة من صادراتها هي مواد خام وطاقة (نفط وغاز)! هذا يجعل معدل الانكشاف للاقتصاد الروسي عالٍ جدا.

بمعنى ان العقوبات الاقتصادية الخارجية ستؤثر بشدة على الاقتصاد وهو ما يفسر الكلفة الاقتصادية العالية لهذه الحرب حتى عند مقارنتها مع الغزو الامريكي للعراق كما سأوضح ذلك لاحقاً.. فرغم ان بوتين، استعداداً للحرب (كما يبدو) قد راكم حوالي 600 مليار دولار كأرصدة احتياطية الا ان اوروبا وامريكا استطاعت تجميد نصف هذه الارصدة تقريبا.

وحتى مع اعتماد خطوة تصدير النفط والغاز بالروبل لوقف تدهور الروبل فأن النتائج المتوقعة لن تكون مفيدة كثيرا على المستوى القريب وستكون كارثية على المستوى البعيد. فروسيا باتت اليوم مهددة بفقدان سوق الطاقة الاوربي على المديين المتوسط والبعيد ليس بسبب الحرب فقط وأنما بسبب فقدان الثقة التي هي اهم عناصر القوة الناعمة.

عقوبات عالمية

فإذا عرفنا انه حتى قبيل بدء الحرب تم تخفيض مستوى الثقة الائتمانية بالاقتصاد الروسي الى ccc سالب من قبل مؤسسة S&P مما يجعلها بيئة طاردة للاستثمار فما بالك اليوم بعد ان طالت العقوبات الاقتصادية العالمية ليس الاوليغارك الروس حسب بل كل الشركات والمستثمرين الذين يعملون في روسيا!! لذلك فان التقديرات الاقتصادية تشير الى ان الاقتصاد الروسي سينحدر بمقدار 7 بالمئة في السنة القادمة بدلا من نمو كان متوقعاً بمقدار 2 بالمئة!

ان كل الوقائع تشير الى ان روسيا باتت تغوص شيئا فشيئا بمستنقع اوكرانيا، فحتى على صعيد الاقتصاد العسكري فــــــان موازنة الدفاع الروسية التي وصلت الى 62 مليار دولار عام 2021 لا يمكنها (مع كل الدعم المتوقع من الحكومة) ان تصمد طويلا إزاء حرب تكلفها بحدود 2 مليار دولار يوميا بشكل مصاريف عسكرية مباشرة، وهــــي قريبة جدا من كلفة العمليات العسكرية اليومية للغزو الامريكي للعراق لكن الفرق هو ان الاقتصاد الامريكي لم تتم محاصرته آنذاك..

لذا فعلى صعيد الاقتصاد الروسي ككل فأن الكلف قد تصل الى 20 مليار دولار يوميا حسب احدى مراكز الابحاث الغربية. هذه الكلف الهائلة لا يمكن لروسيا ان تتحملها لذا نرى تصعيدا كبيرا في معدل النيران والقتل لعل ذلك يجعل الاوكران يضطرون من خلال المفاوضات اعطاء بعض المكاسب التي تحفظ ماء وجه الروس.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق