نعيش هذه الايام حدثين، احدثهما راهن، والثاني من الماضي القريب، الحدث الاول هو الغزو الروسي لاوكرانيا، والحدث الثاني هو انتفاضة اذار/ شعبان ضد النظام الدكتاتوري الصدامي في عام 1991.

في حوار لي مع صديق عزيز، لاحظنا ان الحدث الاوكراني انعش الذاكرة الاوروبية، بل كشف عن تماسكها فيما يتعلق بالنظام الهتلري النازي، في وقت تتلاشى معه ذكرى انتفاضة اذار/ شعبان ولا يتم استذكارها على اي مستوى.

مجلة “تايم” الاميركية المعروفة نشرت صورة الرئيس الروسي بوتين بشوارب هتلر، كصورة غلاف. والمغزى واضح. تذكر الغربيون هتلر الذي سبق له ان غزا اوروبا قبل اكثر من 60 سنة. لم ينس الغربيون هتلر، ولا حروبه. ونستطيع ان نلاحظ ان السينما الغربية ما زلت تنتج افلاما عن النازية، وحربها العالمية الثانية، وان الاعلام الغربي مازال يستذكر الى اليوم الاحداث الفاصلة في الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بهزيمة المانيا الهتلرية النازية.

صديقي العزيز قال لي ان هذا دليل على تماسك الذاكرة الغربية، وحيويتها، مقارنة بالذاكرة العراقية. وافقته الرأي، وذكرت له ان الذاكرة الاوروبية جرى الاشتغال عليها منذ زمن طويل يعود الى كتابات الفيلسوف الالماني هيغل (1770-1831) الذي يعتبره بعض الباحثين اب المركزية الاوروبية التي صنعت نظرة الاوروبين لانفسهم، بما في ذلك نظرتهم الاستعلائية على باقي الشعوب، والتي ترشحت بعض افرازاتها في تعليقات صحفيين ومراسلين اوروبيين قالوا، على سبيل المثال، ان اللاجئين الاوكرانيين ليسوا كاللاجئين السوريين لانهم شقر وعيونهم زرقاء. وقد ادت هذه النظرة الى الذات الاوروبية الى بث مزاعم منها ان الفلسفة والديمقراطية والعجلة ظهرت في اليونان الاوروبية بدون مقدمات من قارات اخرى. وشن الاوروبيون حروب التوسع في القارة الاميركية لنشر الحضارة الاوروبية في العالم، لنفس الادعاء.

غياب الذاكرة

في مقابل هذا، تعاني الذاكرة العراقية من التشتت والانقسام، ولربما قال البعض اننا نعاني من غياب الذاكرة المشتركة الامر الذي جعلنا ننسى الكثير من المقاطع والاحداث التاريخية التي يمكن ان تشكّل الذاكرة المشتركة للعراقيين. والمعروف ان الذاكرة المشتركة ضرورية لبناء الامم ووحدة المجتمعات والشعوب.

لا يمكن ان نفترض ان ضعف الذاكرة المشتركة عند العراقيين يعود الى اسباب جينية مثلا، لكننا نستطيع ان نتقبل القول ان ذلك يعود الى اسباب اجتماعية وثقافية، قد يكون في مقدمتها ضعف الوعي بالذات الكلية وتعاظم الوعي بالذوات الفرعية لاسباب عرقية او طائفية او مناطقية او حزبية وحتى عائلية على حساب الذات الوطنية الجامعة. وكان من نتائج ذلك ان الاحداث التاريخية تأخذ ابعادا او صفاتٍ ضيقة محصورة بنطاق محدود.

وهذا ما حدث لانتفاضة اذار/ شعبان التي مثلت اوسع انتفاضة شعبية في تاريخ العراق بعد ثورة العشرين، وتقلصت هويتها الوطنية، ولم تعد تعرف الا بالاقتران بسجناء رفحا ورواتبهم. وهذا ينطبق على احداث غيرها تم اعادة انتاجها بطبعات محدودة ولم تعد تشكل مفردات في ذاكرة وطنية مشتركة.

هذه مشكلة كبيرة وخطيرة لا يصح اهمالها والتغاضي عنها؛ بل لابد من العمل على حلها وتجاوزها، والسعي الى انعاش الذاكرة العراقية، وتعزيزها، خاصة على مستوى الاعلام والفن والدراما وغير ذلك. وبالمناسبة، فانني الاحظ على سبيل المثال اننا نعرف الكثـــير عن التاريخ الروماني والمصري والاميركي والنازي من خلال الافلام والبرامج التلفزيونية والفعاليات الاعلامية المنوعة. وهذا ما يمكن القيام به على الصعيد العراقي، وانطلاقا من هذا الادراك تم انتاج العديد من الاعمال الدرامية التي تحكي مقاطع من التاريخ العراقي في الفترة التي توليـــــــت فيها رئاسة شبكة الاعلام، وهو امر ارجو ان يستمر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق