انفجرت شوارع الدول الفقيرة في تسعينات القرن الماضي بالتظاهرات الاحتجاجية لاستشعارها خطر العولمة الاقتصادية وتهديدها لما تبقى لها من لقمة العيش بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة لأنظمة ديكتاتورية، فالذي رفع لواء العولمة دجج نفسه بالتكنولوجيا المتطورة باستمرار، والرساميل الضخمة، الى جانب الظروف والبيئة المساعدة في الغرب، بينما الانسان في عموم الدول الفقيرة –النامية منها وغير النامية- يترنح من صداع مزمن سببه المشاكل المعقدة في حياته، ثم جاءت هذه الموجة التي تقتضي –فيما تقتضيه- فتح الأسواق المحلية على السلع والخدمات ورؤوس الاموال الاجنبية ليفقد الانسان الفقير حتى ورشة العمل البسيطة التي يصنع فيها أحذية الاطفال، أو معمله الصغير لانتاج الملبوسات، كما عمّ التهديد حتى المحاصيل الزراعية. ولكن!

هل تُرك هذا الانسان الغاضب والمتحج، وشأنه؟!

ربما يكون صامداً أمام العولمة الاقتصادية، بيد إن عليه تجربة العولمة الثقافية ايضاً، فهي تغريه بـ"القرية العالمية الواحدة"، فاذا كان الآباء نزلوا الى الشوارع في تلكم السنوات ضد مشاريع اقتصادية جائرة تشدّ الخناق على الفقير وذي الدخل المحدود، فان الابناء اليوم، وبعد حوالي ثلاثين عام، بما يوازي الجيل الكامل، يفخرون بأنهم على دراية ومعرفة بتفاصيل أندية كرة القدم، و كم بلغت ثروة هذا الممثل، وتلك، وما هي آخر صيحة في منتجات الهاتف النقال ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي تحوّل مدهش في ساحة العولمة الثقافية؛ الحماس لتعلّم اللغة الصينية والكورية لمعرفة ما تقوله فرق الغناء الشهيرة، وما تحويه المسلسلات والافلام دون الحاجة الى الترجمة، هذا فضلاً عن تعلم اللغات العالمية الاخرى.

فهل ثمة اعتراض في الأمر؟!

وهل سمع الغرب، وتحديداً الشركات المنتجة للالعاب الالكترونية، ولتقنيات الاتصال، ومن يقف خلف عمليات الارسال ومحركات البحث الالكتروني، صوت اعتراض من أحد؟!

الانترنت أعطانا شيء وسلب أشياء

الآن توصل المثقفون والمفكرون في الأمة أن الانترنت لم يكن الوسيلة البريئة لنقل المعلومة، ونشر المعرفة بشكل أسرع من الورق والبريد، فالقضية ليست بالمجان، كما ليست لسواد عيوننا، بقدر ما هي لخلق واقع "عولمي" جديد للعالم، وللبلاد الاسلامية تحديداً، فالباحثون عن العلم والمعرفة، وايضاً الباحثين عن منافذ لحرية التعبير عن الرأي والعقيدة، ثم الباحثين عن توثيق عرى الصداقة والعلاقات الاجتماعية وجدوا في هذا التطور التقني فرصتهم التاريخية، بيد ان حسابات هذا التطور لم تتوافق مع واقع المستخدمين، بل وطريقة استخدامهم، فالانسان الغربي إنما استقبل هذا التطور وهو يشكو بالاساس من التباعد الاجتماعي، بين افراد الأسرة الواحدة، ثم الاصدقاء والزملاء والجيران، فجاء ابتكارهم للتواصل الاجتماعي، في حين استقبل الانسان الشرقي هذه التقنية وهو يشكو من مشكلة سياسية وليست اجتماعية ولا ثقافية، فهو يعيش ضمن منظومة اجتماعية وأخلاقية واضحة المعالم، فخلقت له مشكلة جديدة، وهي؛ الانفصام الاجتماعي بسبب انتشار ظاهرة تعدد المزاجات والرؤى الشخصية إزاء أي حدث أو تطور سياسي أو اجتماعي او اقتصادي، بل وأي شيء في الحياة، فراح كل شخص يفسّر الأمور وفق رغباته الشخصية، والنظر فيما يريد هو لا ما تريد الجماعة، والنتيجة؛ أن أسرة واحدة مكونة من أب وأم وأبناء تمزقت العلاقات الودّية فيما بينهم بسبب تعدد الرؤى والتفسيرات الى درجة أن يجد أحدهم أن هذا العمل منافي للآداب، أو محرّم شرعاً، فيما الآخر يراه من حقّه الشخصي!

ولم تكن هذه اليقظة في بدايات الأمر مطلع التسعينات من القرن الماضي، عندما توّج الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية انتصارها على المعسكر الاشتراكي بنشر ثقافة العولمة في العالم، ومنها العولمة من خلال توسيع نطاق الشبكة العنكبوتية في جميع انحاء العالم، فهو اعطانا المعلومة السريعة والممدوحة من قبل الكثير من اوساطنا الثقافية والعلمية، بيد أن الوضع النفسي لكثير من الشعوب جعل من هذه الوسيلة خشبة خلاص مما يعيشه من كبت وحرمان بسبب سياسات الانظمة الديكتاتورية التي حرمت شعوبها من التطلع الى آفاق العلم، وفي الوقت نفسه حرمته من حرية التعبير عن الرأي والعقيدة، فاصبح الفرد عبارة عن كائن يتحرك في الشارع بلا مشاعر ولا إرادة إلا ما يطلب منه الحاكم.

تصور الجيل الجديد أنه سيجد مشاعره وطموحاته في عالم الانترنت، وأن هذا العالم الفسيح سينتصر له ويحل كل مشاكله، بدءاً من مشاكله داخل أسرته، ثم مشاكله مع التعليم، ومحيط العمل، وحتى مشكلته مع نظامه السياسي الظالم، فكانت النتيجة الغوص أكثر في مشاكل معقدة من نوع جديد عندما تم ربط كل شيء بالسياسة والحكم، حتى طريقة التعبير عن مشاعر الحزن والفرح، فالشخص الداعي الى الالتزامات الدينية –مثلاً- صار يوسم بالحزن والكآبة، بينما المتحلل من أي التزام ديني أو أخلاقي هو ذاك السعيد في حياته. ثم إن الملتزم بالضرورة يميل الى جهة سياسية معينة تنشر الكآبة والحزن، بينما في الطرف المقابل هنالك من يميل الى جهة سياسية أخرى تشعّ بالسعادة والارتياح!

اليوم كل فرد عربي ومسلم يعيش في العالم كله، ولكن لا يعيش واقعه الاجتماعي، فهو غير مسؤول عنه، و أي مشكلة في الخدمات، او غلاء الاسعار، او فقدان الأمن، وحتى أزمة القيم الاخلاقية داخل وخارج الأسرة، كلها تلقى على شماعة الدولة والسياسيين، فهو السبب الأول والاخير، حتى حركة السير في الشوارع ونظافة المنطقة السكنية، على الدولة أن تنظمه وتقدمه على طبق من ذهب لهذا الموطن، وما على المواطن سوى البحث عن أحدث أجهزة الهاتف النقال لمتابعة مقاطع الفيديو المثيرة، او انتاج مقاطع فيديو تنافس سواها في الاثارة مع الحرص على امتلاك الجهاز ذو سعة التخزين العالية ليكفي عشرات ومئات المقاطع، ثم ارسالها الى العالم الافتراضي الذي ليس له أية صلة حقيقية به.

هل ما يزال العالم قرية واحدة؟

الانترنت وجميع وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، بل وحتى التلفزيون، ليست مشكلة في ذاتها، فهي من المكتشفات الانسانية الباهرة والمفيدة لحياة البشر، إنما المشكلة في طريقة الاستخدام، فالانسان الشرقي راح يستخدم هذه الوسائل والتقنيات دون النظر في آثارها على النفس والروح، وهما في أزمة لاسباب عديدة بعضها ذاتي من داخل المجتمع والأمة، يعود الى قصور في التوعية والتثقيف، و البعض الآخر يعود الى سياسات الانظمة الحاكمة وما خلفته من حالات سلبية ومشاعر مدمرة في النفوس إزاء الحياة برمتها، حتى بات الفرد يكره نفسه قبل افراد المجتمع.

ولأن هذه التقنيات من ابتكاراتهم، فان الغربيين تداركوا الآثارة السيئة لها، و بدأوا حملات بحث ودراسة لمعالجة هذه الآثار، وحماية الجانب النفسي والروحي من الانتكاسات ومزيد من الكآبة وفقدان الثقة والتمزق الاجتماعي، بغضّ النظر عن مديات النجاح او الفشل، الامر الذي يجعلنا أمام استحقاق حضاري جدّي لأن ننظر نحن ايضاً في الآثار السلبية والمدمرة لهذه التقنيات على النفوس من خلال العودة الى أهم ركائز الحضارة الاسلامية وهي؛ الاهتمام بالجانب المعنوي، وإحياء قيم الأخلاق والآداب، الى جانب قيم الدين، حتى تكون هذه التقنيات في خدمة هذه القيم المسؤولة –بالحقيقة- عن سعادة الانسان وتحقيق طموحاته في الحياة، وهذا ممكن عندما "ننظر الى ما فوقنا في العمل والعبادة، وفي القضايا المادية ننظر الى ما دوننا، لتحقيق الرضى والقناعة والاستقرار النفسي"،(معالم الحضارة الاسلامية، المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

هذه الخطوة العملية تفيدنا في أمرين:

الاول: تحقيق أعلى مرتبة من التواصل الاجتماعي الحقيقي وليس المزيف والافتراضي، بتفعيل مشاريع الخير والبر والإحسان، ونشر قيم التسامح والحب، وإثارة مشاعر المسؤولية إزاء ما يعانيه الآخرون، الى جانب تحفيز المشاعر الايجابية.

الثاني: ملامسة العالم الحقيقي، وليس الافتراضي، والعودة الى الواقع وحقائقه، والتعامل معه بكل شجاعة وثقة بالنفس، مع ما فيه من ثغرات ومشاكل، بدل التنكّر لها او التهرّب منها، وفي خطوة لاحقة؛ العمل على معالجتها بشكل تام.

اضف تعليق