اختيار رئيس البرلمان ونائبيه لا يحمل أهمية كبيرة بالنسبة للقوى السياسية الشيعية على اقل تقدير، ولا تزال الاعين مصوبة نحو رئاسة الحكومة ذلك المنصب الذي يجعل من يستحوذ عليه أكثر قدرة على اللعب في سوق العمل السياسي، ومن يتولى رئاسة الحكومة في العراق يعني له القدرة على التحكم بالأموال والمناصب والمكاسب الأخرى، فالنتائج الأخيرة للانتخابات الى جانب التحالفات الحاصلة بين التيار الصدري والكتل القريبة منه ستمكن السيد الصدر من اختيار رئيس الحكومة القادمة فمن صاحب الحظ؟

المعارك الدائرة في البيت الشيعي زادها سعيرها الاتفاق الذي جرى فيما بين الكتلة الصدرية وبعض القوى السنية الى جانب الاكراد، اذ تعد هذه الخطوة بمثابة كسر العظم بين التيار وقوى الإطار التي لم تتمكن من كسب ود السيد الصدر وعدم تركه يفضل الهجرة صوب الجانب الآخر الذي يتحين الفرصة لشق الصف الشيعي وتحقيق غايات يصعب تحقيقها في بقاء الاتحاد.

التحول الخطير في المشهد السياسي وقلب الموازين من قبل التيار الصدري، ادخل القوى الشيعية الى مأزق الاتفاق الصعب، وجعل الجميع ينتظر المواجهة الحتمية بين عناصر الإطار والتحالف الذي يقابلهم بمختلف مكوناته، وساعة الصفر هي مناقشة الملفات الحساسة والحاسمة، ومن أهمها اختيار رئيس الحكومة القادمة وطريقة تمثيل المكونات فيها.

بكل الأحوال فأن رئيس الوزراء القادم لن يكون صدريا قحا كما أراد الصدر، لكنه سيكون خاضعا للرؤية الصدرية في إدارة الحكم للسنوات الأربع القادمة، وبذلك لا يكون شبيها للذين مروا في السنوات الماضية منذ بدأت عملية اختيار رؤساء الحكومات المتعاقبة لغاية الآن.

فالصدر يفقهه صعوبة ترشيح رئيس وزراء صدري مئة بالمئة، كون الترشيح يجب ان يخضع للسيطرة النوعية الامريكية أولا وللإيرانية ثانيا، ومن المحتمل ان يوكل الامر الى الرئيس الحالي الأقرب من التيار الصدري، وما يعزز هذا الاحتمال هو التناغم بين الشخصيتين في الأيام السابقة إزاء الاحداث والمواقف الداخلية.

امام رئيس الوزراء الذي سيقع عليه الاختيار العديد من المهام وأصعبها هو فتح الملفات التي توعد من سبقه بفتحها، لكنه فشل ولجملة من الأسباب، فاذا شرع بمناقشتها فإنه سيطيح بالرؤوس الكبيرة المتحكمة بالعملية السياسية، بما في ذلك قتلة المتظاهرين الذين صار الكشف عن قاتليهم يعد إنجازا وطنيا، فهل توجد شخصية وطنية تحمل هذه المواصفات من بين الشركاء الفاعلين سياسيا بوقتنا الحالي؟

وان لم تبرز هذه الشخصية الوطنية هنالك جيل منتفض من غير الممكن ان يتراجع عن المطالبة بحقوقه المسروقة والمغيبة، وإذا اجهضت الحركة التشرينية في السابق، فمن الصعب التأثير عليها في المرات القادمة، وهنا يعرف السيد الصدر هذه الحقيقة؛ فوضع شعار الإصلاح وحكومة اغلبية سياسية في مقدمة الأهداف التي يسعى لتحقيقها في المرحلة القادمة.

ومن المفيد الإشارة هنا الى صعوبة هذا الامر في الوقت الحالي، فالتيار الصدري لم يفهم الإصلاح بمفهومة الواضح، ويشترك مع القوى الحاكمة طيلة السنوات الماضية، فهل تنجح الكتلة الصدرية بإدارة شؤون البلاد ومؤسسات الدولة وهي تطفوا على بحر من الفساد والدمار؟

مقتدى الصدر ليس لديه الكثير من الخيارات، فهو اين ما يولي وجهة بتجاه الشركاء الشيعة سيجد شخصية لها ولاءات خارجية، وهو ما يُبطل مقولة "لا شرقية ولا غربية"، التي ينادي بها منذ خروجه من الانتخابات منتصرا على رفقاء الدرب، محاولا تجاوز عقبة الكتل الشيعية التي تقف بوجهه للحيلولة دون تحقيق الطموح الكبير وتولي رئاسة الحكومة او التحكم فيها.

الخوف في الأيام القادمة ينحصر في ان الاسماء الأولية المعلنة لرئاسة الحكومة المقبلة تدور حول نفس الوجوه التي فقدت رصيدها لدى العراقيين، وكانت سببا لانتفاضة تشرين التي اندلعت في المدن العراقية رافضة العملية السياسية، ومطالبة بإصلاح جذري تحاسب فيه الأحزاب والقوى السياسية الفاسدة.

في نهاية الحكاية ومع تباين القراءات المتفائلة والمتشائمة يصعب في الوقت الحالي تحديد ملامح واضحة لشخصية رئيس الوزراء العراقي القادم، فإن كل الرسمات المتاحة تبدو هلامية ولا شيء واضحا فيها، لكن الشيء الواضح هو ان السيد الصدر يملك القدرة على الاختيار فمن صاحب الحظ؟

اضف تعليق