آراء وافكار - مقالات الكتاب

سباق غير محمود

لا اريد ان اعلّق على مجريات جلسة "الاحد الاسود" لان القاريء عندنا لا يمنح الكاتب المساحة اللازمة لحرية التعبير. لهذا سوف اتحدث عن موضوع اخر، لكنه متصل بالمشهد العام لجلسة الاحد. فقد تسابق في هذه الجلسة كل من الاطار التنسيقي والتيار الصدري الى تقديم اسماء كتلتهم النيابية بوصفها الكتلة النيابية الاكثر عددا. وحسب المعلن من الاخبار فقد تضمنت قائمة الاطار 88 اسما فيما تضمن قائمة التيار 76 اسما. وفي الحقيقة لستُ معنيا بايهما الصحيح والاكثر عددا، لانني لست معهما ما داموا متفرقين.

لكن ما يهمني هو المجموع الذي بلغ 164 اسما. فاذا صحت هذه الارقام، فان التيار والاطار يمكن ان يشكلا الكتلة ذات الاغلبية المطلقة (باضافة عضوين اخرين فقط من المستقلين مثلا). وهذا ما كنت انادي به، وهو ان تبرز "اغلبية مطلقة" في البرلمان. وكنت اضيف اليها عبارة "عابرة للخطوط العرقية والمذهبية"، اي كتلة وطنية غير مغلقة دينيا او قوميا او مذهبيا، تملك هي حق ترشيح شخص رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.

هذا هو السياق السليم المتبع في الانظمة الديمقراطية، وبخاصة البرلمانية، كما هو الحال عندنا. هذه هي حكومة الاغلبية المطلقة المقابلة لحكومة "خلطة العطار" حسب مصطلح السيد مقتدى الصدر، ولكن بمعنى مختلف. المشكلة التي تعاني منها الحياة السياسية في العراق تتمثل في عدم وجود حزب قادر على الاستحواذ على الاغلبية المطلقة في البرلمان.

والسبب: هو تشتت اصوات الناخبين على عدد كبير جدا من المرشحين والاحزاب. والحل هو: ان تتوحد هذه الاحزاب كلها قبل الانتخابات وتقدم عددا قليلا من المرشحين تتجمع حولهم اصوات الناخبين كما تتجمع حبات الزئبق، فتبرز من خلال ذلك الكتلة النيابية ذات الاغلبية المطلقة، وليس فقط الكتلة النيابية الاكثر عددا، التي يزعم كل من التيار او الاطار انه يملكها. الكتلة النيابية الاكثر عددا، سواء كانت اطارية او صدرية، لن تستطيع لوحدها تشكيل الحكومة، لانها سوف تحتاج "الاغلبية المطلقة" في الحصول على الثقة.

وهذا يعيدنا الى "خلطة العطار" من الشباك بعد ان رفضها السيد مقتدى الصدر من الباب! لان فكرة حكومة الاغلبية الوطنية التي نسمع عنها هي ايضا "خلطة عطار" بفارق وحيد هو انها تقصي طرفا شيعيا بعينه لخصومة سابقة. انها بصراحة لا تشكل خطوة الى الامام في طريق الغاء "خلطة العطار".

لا يرغب اي من الفاعلين السياسيين المؤثرين من الشيعة والسنة والأكراد الذين اختارهم الناخبون بمشاركة ضئيلة بخيار دولة المواطنة، ومازالوا متمسكين بخيار دولة المكونات. سأجاريهم على هذا في هذا المقال، واقول لهم حسنا ابنوا دولة المكونات على اسس سليمة (بمقياس دولة المكونات على الاقل)، وهذا يستلزم وحدة الفاعلين السياسيين الاكراد، وقد فعلوا ذلك حسب الظاهر، ووحدة الفاعلين السياسيين السنة، وقد فعلوا ذلك حسب الظاهر.

ولم يبق الا الشيعة الذين مازالوا متمسكين بخيار الانقسام، حتى ولا خيار دولة المكونات. وهم في هذا يضيعون على المكون الشيعي فرصة ان ياخذ دوره الكامل (بلحاظ العدد الاجمالي لعدد نواب المكون) في تشكيل الحكومة. بل يخونون ثقة الناخب الشيعي الذي اعطاهم صوته لاعتبارات تخص المكون الشيعي.

مازالت الحلقة المفقودة هي "الاغلبية النيابية المطلقة"، والتي لا يمكن تحقيقها الا بوحدة مرشحين ووحدة ناخبين قبل الانتخابات لا بعدها. وهذا ما لم يحصل في الانتخابات الاخيرة للاسف لان المتنافسين السياسيين الشيعة وغيرهم يملكون رؤى ضيقة جدا للعمل السياسي. انهم مازالوا يدخلون الانتخابات متفرقين على امل ان "يتوحدوا" عن طريق المساومات التي تفرضها لاحقا نتائج الانتخابات. قصر نظر قاتل!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق