إن التواصل مع الناس أمر مطلوب ومرغوب فيه، وراجح في نفسه عقلاً وشرعاً، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ويميل إلى بني جنسه، ويأنس بالتواصل والاجتماع معهم.

والإسلام يدعو إلى التواصل والتعارف، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[1]، ولا يمكن أن يتحقق التعارف الإنساني إلا بالتواصل بينهم ليعرف بعضهم البعض الآخر، ويكتشف كل طرف ما لدى الآخر من ثقافات وحضارات وعادات وتقاليد مختلفة.

والمجتمع المتواصل مجتمع متماسك ومتعاون ومنسجم، بينما المجتمع غير المتواصل مجتمع ضعيف ومفكك ومنغلق على نفسه.

وقد تطورت وسائل وأساليب التواصل بسبب تطور الحياة، ففي حين كان التواصل سابقاً يقتصر على التواصل المباشر أصبح التواصل اليوم متعدد الوسائل والأساليب؛ ومنه التواصل الإلكتروني، ومن الملاحظ تفضيل جيل الشباب التواصل الإلكتروني عبر (واتساب، فايسبوك، تويتر، انستغرام، سناب شات) وغيرها من وسائل التواصل الإلكتروني.

ولوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة محاسن ومساوئ بحسب الاستخدام، فهذه الوسائل في ذاتها لا تحمل خيراً أو شراً، وإنما الناس هم الذين يبثون فيها الخير أو الشر.

ويمكن الاستفادة من هذه الوسائل الحديثة في نشر الخير والأخلاق الحسنة، وتنمية التواصل الاجتماعي بين الناس، وتعزيز التعارف الإنساني، واكتساب الأصدقاء والمعارف؛ إلا أنه في المقابل يمكن تسخيرها في التواصل المحرم، ونشر الشر والفساد والرذيلة.

ولا جدال في ان وسائل التواصل الإلكتروني قد غيّرت طبيعة أنماط الحياة المعاصرة، حيث قرّبت لنا البعيد، وسهلّت علينا العسير، وجعلت العالم يتحول الى قرية كونية صغيرة واحدة.

ومن فوائد ومحاسن وسائل الاتصال الاجتماعي التواصل مع الأرحام والأصدقاء والزملاء أينما كانوا وحلوا، كما يمكن اكتساب المزيد من الأصدقاء والمعارف من خلال الفايسبوك أو الواتساب وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة.

ومن مساوئ هذه الوسائل القدرة على الدخول على المواقع الإباحية، وتأثر بعض الشباب والفتيات بالدعوات الباطلة كالإلحاد وعبادة الشيطان، والتخلي عن الدين والاخلاق تحت عناوين ودعاوي مزيفة.

ومن مساوئ هذه الوسائل أيضاً اختراق صفحات الآخرين للاطلاع على خصوصياتهم وأسرارهم ونشرها، وهذه من الأمور المحرمة شرعاً.

ومن الأمور المقلقة هو إدمان بعض الشباب (ذكوراً أو إناثا) على وسائل التواصل الاجتماعي، ومكثهم لساعات طويلة على هذه الوسائل مما يؤدي الى التقصير في أداء واجباته وتحمل مسؤولياته تجاه زوجته وأولاده ووظيفته ومجتمعه، وهو أمر ينهى عند الشرع والعقل. كما يؤدي الإدمان على وسائل التواصل الإلكتروني إلى التقصير تجاه المسائل العبادية كالصلاة وتلاوة القرآن والدعاء والذكر، ويحذر الإمام علي عليه السلام من تضييع العمر في غير العبادة والأعمال الصالحة بقوله: «احفَظْ عُمرَكَ مِنَ التَّضييعِ لَهُ في غَيرِ العِبادَةِ والطّاعاتِ»[2].

وقد أدى الإدمان على وسائل الاتصال الاجتماعي إلى الخلل في الحياة العامة للإنسان، واضطراب نظام حياته حتى في الأكل والشرب والنوم والوقت، كما قد يؤدي الى غياب الاستقرار العائلي أو الوظيفي.

ومن مخاطر الإدمان على وسائل التواصل أيضاً ضعف المستوى التعليمي عند الطلاب، واكتسابهم بعض الصفات السلبية، وتشبعهم بأفكار قد لا تتلاءم مع ثقافة الإسلام وأخلاقه.

ثم إن في الإدمان الإلكتروني تبديداً للوقت واهداراً للعمر، وهو من أسوا أنواع الهدر، لأن هدر العمر فيما لا ينفع في دنيا أو آخرة لا يمكن أن يعوض بينما المال يمكن تعويضه.

وقد حذرت النصوص الدينية من إهدار الوقت فيما لا ينفع، وأن الإنسان محاسب على أوقاته يوم القيامة فقد روي عن الإمام عليّ عليه السلام أنه قال: «احذَروا ضَياعَ الأعمارِ فيما لا يَبقى‏ لَكُم، فَفائتُها لا يَعودُ »[3]، وعنه عليه السلام قال: «إنَّ أوقاتَكَ أجزاءُ عُمرِكَ، فَلا تُنفِدْ لَكَ وَقتاً إلّا فيما يُنجيكَ »[4].

ومن أجلى مصاديق ضياع الأعمار في هذا الزمان الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضييع الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد في الدنيا والآخرة.

لغة التواصل الإلكتروني

من الأمور الجديرة بالانتباه والتأمل ما نلاحظه من استخدام لغة هابطة في وسائل الاتصال الإلكتروني، حيث تستخدم عند قسم من الجيل الجديد لغة خادشة للحياء باستخدام ألفاظ وكلمات بذيئة وقبيحة، ولا تتناسب مع الذوق العام للمجتمع.

إن على الشباب أن يتعودوا على استخدام الألفاظ الجميلة، إذ تتميز لغتنا العربية بكلمات الأدب والذوق والجمال.

اختيار الصور البديلة

تلجأ بعض الفتيات والبنات الى وضع صور فنانات وممثلات وراقصات ومغنيات، أو صور غير محتشمة في صفحاتهن على الفيسبوك أو الواتساب أو السناب شات أو الانستغرام كبديل عن صورهم الشخصية. كما يلجأ بعض الفتية والشباب لوضع صور لفنانين أو مغنيين كبديل عن صورهم الشخصية، وفي هذا ترويج للباطل ودعوة للفساد، أو دعوة للسفور والتبرج.

إن على المؤمنين الالتفات إلى ضرورة أن يروجوا للإسلام وقيمه وأخلاقه، وأن يضعوا الصور التي تنبئ عن الفضيلة والعلم والأخلاق، والدعوة للقيم الإسلامية والإنسانية النبيلة.

قيادة السيارة والتفريط بحق الحياة

من أسوا ما يمكن تصوره من مخاطر الإدمان على وسائل الاتصال الاجتماعي هو أن يقود الإنسان سيارته وهو يشاهد وسائل الاتصال الاجتماعي أو يقرأ أو يكتب فيها غير مبالٍ بمخاطر ذلك على نفسه والآخرين.

فكم من حادث وقع بسبب ذلك؟ وكم من شخص فارق الحياة بسبب الإدمان على تلك المواقع؟ وكم من شخص تسبب في موت آخرين وسلبهم الحياة بسبب لحظة غفلة ناتجة عن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي؟!

إن على الإنسان أن يجتنب كل ما يمكن أن يؤدي إلى انهاء حياته أو حياة الاخرين، فلا يصح للإنسان أن يلقي بنفسه في التهلكة بسبب أمر تافه، يقول تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾[5]، ويعد الانشغال بالهاتف المحمول أثناء قيادة السيارة بدل الانتباه للطريق من مصاديق إلقاء النفس في التهلكة.

لنغير من طريقة تعاملنا

من الضروري للشباب أن يتعاملوا مع وسائل التواصل الاجتماعي بشيء من التنظيم والعقلانية، فيمكن الاستفادة من هذه الوسائل في أوقات الفراغ، أو تحديد أوقات معينة للاستفادة منها، كما يمكن تعزيز التواصل مع الآخرين، واكتساب الأصدقاء من خلالها.

وثمة أمر في غاية الأهمية وهو تحويل هذه الوسائل الحديثة إلى وسائل لنشر قيم الإسلام وأخلاقه إلى شعوب العالم، وتعريف الأمم الأخرى بالإسلام وحضارته وقيمه وآدابه، فالشباب بما يملكون من طاقات ومواهب وإمكانيات بإمكانهم فعل الكثير من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يمكن تطويعها في خدمة الدين والمجتمع، ونشر القيم والفضيلة والعلم والأخلاق.

.................................
الهوامش:
[1] سورة الحجرات: الآية 13.
[2] غرر الحكم: 2439.
[3] غرر الحكم: 2618.
[4] غرر الحكم: 3642.
[5] سورة البقرة: الآية 195.

اضف تعليق