حين ابحث في شخصية الدكتور علي عبد الأمير علاوي، اجده خبيرا في البنك الدولي لكني حين أحاول التمعن في تصريحاته الأخيرة عن انتهاء عصر النفط والحلول التي طرحها لتسريح موظفي الدولة، لا اجده وزيرا للمالية في دولة بل مجرد ذلك الموظف في البنك الدولي يتعامل مع أزمات الدول المفلسة وكيفية تصفية ديونها من خلال بيع هذه الديون بعناوين براقة تتثمل في الاستثمار الخارجي، فيما يتطلب منه كوزير للمالية ان يطرح الحلول العراقية بالعمل على رفع الإنتاجية لعمل الجهاز الوظيفي من خلال الحكومة الالكترونية، عندها سيظهر عنده العدد الهائل من البطالة المقنعة التي قامت أحزاب مفاسد المحاصصة - ذاتها التي جاءت به لهذا المنصب – بابتكار ظاهرة التعيين لأغراض انتخابية فتراكم عدد موظفي الدولة بلا عمل، وتحولت الوظيفة العامة الى ارتزاق الرشاوى السياسية والتي شخصت في الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي وافق عليها السيد الوزير!!

ربما يحاول الدكتور علاوي بحنكة الخبير الدولي إدارة مفاسد المحاصصة المالية بعد ان انتهاء نحو عقدين ما بعد 2003 الى ظهور الخلل في المركب الحضاري –كما يكرر الصديق محمد بعد الجبار الشبوط - لكن هناك 24 استراتيجية وطنية ما زالت تواجه فجوات التطبيق لأسباب تتعلق بمفاسد المحاصصة، وهو الاعرف بتفاصيلها من خلال الموازنة العامة للدولة التي كان رقيبا عليها في البنك الدولي ومنفذا لها اليوم كوزير للمالية، وثمة وقائع يدركها حتى غير المتخصص بان حوالي50% من أموال الموازنة التشغيلية انما تذهب لأعمال الرئاسات الثلاث والأجهزة الأمني ، مقابل عدم قدرة هذه الرئاسات الثلاث بكل أجهزتها الإدارية ان تحقق السلم الأهلي طيلة كل السنوات الماضية، واكتفت ان تكون مجرد انعكاس لطيف صراعات امراء الطوائف السياسية، واذا طبق الدكتور علاوي معايير الحوكمة على اعمال الجهاز الأمني والرئاسات الثلاث، فانه سيلاحظ بدقة ان سد هذه الثغرة في عسكرة المجتمع بلا إنتاجية واضحة على السلم الأهلي، وله ان يقارن بين صحة هذا الكلام وتجارب شعوب أخرى مثل رواندا في عمق القارة الافريقية وتجربة جورجيا من دول الاتحاد السوفيتي المنهار، عندها لا يطلق المدفع الأخير بمشروعه لتسريح موظفي الدولة، بل ان يطالب بتحديد إنتاجية موظفي الدولة وفق معايير ((doing business)) في تحديد إجراءات العمل والقيمة الفعلية لاستثمار الوقت الوظيفي في الخدمة العامة، الامر الذي سبق وان كررت طرحه وطالبت وزارة التخطيط وضع مخطط دقيق لمعايير الالتزام به.

عندما يستطيع الدكتور علاوي اقناع أحزاب مفاسد المحاصصة بمثل هذه المعايير، التي كان اغلبهم يتعامل ويلتزم بها كموظفين او مراجعين في مختلف دول المهجر، لا اعتقد ان أي منهم اليوم قادرا على الالتزام بها، كون معنى ذلك انتهاء الفساد بكل أنواعه ولن تبق في جوقة وعاظهم ما يمكن ان يطبلون به عن التهميش والمظلومية والخدمة الجهادية وووو الخ... من نماذج الترويج لمفاسد المحاصصة.

النقطة الثانية التي اعتقد مطلوبا من خبير دولي مثل الدكتور علاوي الإفصاح عنها بكل شفافية ووضوح كيفية التعامل مع مشروع التسريح الوظيفي، الذي ستكون نتائجه أسوأ من نتائج تخفيض قيمة الدينار العراقي، لان الأكيد أحزاب الفساد السياسي والشرائح المجتمعية التي استفادت منها لن توافق على (الخروج السهل) من الجهاز الحكومي، وستكون هناك مظاهرات واضطرابات شعبية بعناوين وشعارات تستثمر احداث مضت، هذه التجارة الإعلامية التي تقود الراي العام الجمعي ، مقابل ان الضحية الأكبر ستكون تلك الأغلبية الصامتة التي لا أحزاب تساندها ولا منابر إعلامية تطالب بحقوقها!!

لذلك أطالب الدكتور علاوي ان يفكر كخبير دولي، ويتعامل مع الواقع العراقي بعقلية وزير عراقي، يحلل المدخلات الحقيقية لمخرجات الواقع الاقتصادي الريعي المزرية والبحث عن حلول من خارج صندوق فشل مفاسد المحاصصة، لعل وعسى يمكن ان يتحول هذا الفشل الى نموذج للنجاح.. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق