آراء وافكار - مقالات الكتاب

أوطان خردة

ما لم أقله أمس عن الواقع العربي، سأقوله اليوم، من باب الحزن والتمنيات، وليس من باب جلد الذات. لأنني اعرف كباحث علمي بأن هناك أمور فوق طاقة العرب. فهم اليوم في أضعف حال بسبب الحروب المستمرة والانقسامات والمحاور والأزمات. مثلما يعانون من تشويه مستمر ومبرمج لصورتهم النمطية أمام العالم، بسبب ممارساتهم السلوكية السلبية، أو لأنهم الأضعف والأشقى في هذا العالم.

وبمنطق المؤامرة فأنهم يواجهون خرائط سرية للتفتيت والتقسيم والتدمير منذ سنوات طويلة. مثلما أعرف من التاريخ والجغرافيا وأحوال الشعوب بأن الضعيف المسكون بالاستبداد والقمع والفقر لا يمكن أن يتغير إلا عندما يتم إعادة برمجة عقله بخوارزميات العلم، وتستبدل خلايا الإرادات الميتة عنده بالخلايا الحيّة "وما لزماننا عيب سوانا".

فأوطان العرب منذ عشرات السنوات، خارج تغطية الفعل والفاعل، وفي دائرة المفعول به. وهذا الكلام لا يحتاج إلى برهنة بالكلمات الرنانة والتزويق اللغوي. فالواقع شاهد على التاريخ والحاضر؛ استبداد مزروع في جينات الحاكم لتحويل الأمة إلى قطيع قابل للسيطرة والتحكم، وشعب سعيد جائع ومقهور يهتف للسلطان الحكيم بالمجد والخلود وإطالة العمر. ودول متصدأة بزنجار السياسة الغبية والدين والقتل والحروب. ليس فيها شوارع ومؤسسات ومستشفيات ومدارس تليق بالبشر.

وإذا ما استثنينا بعض الدول القليلة التي أسعدت شعوبها، فأن جيناتنا الثورية لا تقبل بالجمال والرفاهية، لذلك تتحرك كل أمراضنا وعقدنا النفسية لمواجهة هذه الدول لأفشالها وتشويه سمعتها تحت يافطات الثورية، وحذلقة الشعارات الرنانة. رغم أن بيوتنا وأوطاننا من الزجاج، وحياتنا تأن من الجوع والفقر، والهجرات القسرية تتواصل إلى خارج حدود الأوطان، والأجساد لا تقوي إلا السير على عكازة الحرمان والاستبداد والذلة، وأصواتنا الثورية تبح بالرفض "هيئات منا الذلة!"

مصيبتان كُبْرَيان في واقعنا العربي هما الخيانة والحقد على العلم، والسبب الكامن وراء الاثنتين هو عدم الصدق مع الذات والآخر، وعدم تدربنا على الشفافية والديمقراطية، وخنوعنا المستمر للمطلقات الجاهزة، وتلذذنا بالغيبيات، وشعورنا المستمر بالعظمة وحب الذات والنرجسية المريضة. وعشق التجول في إنفاق أحلام اليقظة، وعدم الرغبة في الخروج من كهف الظلام. ورفض العيش في مدن السليكون والحوسبة والإلكترونيات الرقمية والمعلومات لأنها من صنع الشيطان الرجيم!

العالم يتغيّر، والعرب مشغولون بالقيل والقال، والتنابز بألقاب العشيرة وأصول العائلة والدين والقومية. وهم يواصلون إنكار الآخر ودفن رؤوسهم في الرمال. لم تعد معظم أوطان العرب إلا ما يشبه البلديات الكبرى. كثيرا منا يرى الحاكم العربي الفلاني بطلا قوميا ولا يرى أحد منا في ملايين العرب المعدمين والمشردين والمهاجرين أي صورة بطولة! هو العقل الجمعي العربي المتآلف حد الاستسلام لفكرة البطل الجمعي الذي يجمع كل الأمنيات ويحصد كل الخيبات، وهو العيش أيضا على ذمة انتظار "البطل" الوهمي على الدوام.

مازال العرب مشغلون ببطولات عنترة في مواجهة حروب المصير، رغم انهم يعيشون الخيبات المتراكمة والاستبداد والجوع. لقد وقعوا بحب "المقاومة" التي أصبحت بلا مقاومة حقيقية. فسحروا بكلمتها رغم إنها خاوية من معانيها ودلالاتها، وتحولت بمرور الأيام إلى تجارة رائجة تدر على أصحابها الملايين من الدولارات.

مثلما استثمرت لشرعنه القمع والاستبداد. لقد قاومنا العدو بالأناشيد الوطنية والخطب الرنانة والفساد وزرع المخدرات، ولم نحصد منها إلا أوجاعا في الجسد العربي، ومنتجا بشريا من العملاء وتجار الأسلحة، وعصائب من المشعوذين والدجالين لخطف الدين والأوطان!

لا أدري باي منطق نتحدث عن بناء الأوطان والإصلاح والتغيير، وأوطننا غارقة بالفساد بأنواعه المختلفة. حيث لم يعد ظاهرة عابرة وإنما أصبح مرضاً مزمناً وآفة مستحكمة تعمقت في مؤسساتنا وجيناتنا وحياتنا. بل هو ثقافة تسير في شرايين الجميع، الحاكم والمحكوم، لأن الجميع يريد أن يكون سعيدا بالمال الحرام، ويتمتع بمزايا تجعله سلطان زمانه. وبمنطق الإحصاء وجداول الأمم المتحدة فأن معظم أوطان العرب تأتي بأرقام خيالية في مؤشر الفساد المالي، متجاوزة الغريب واللامعقول في كل العصور والبلدان والأمم!

من قال إن الفساد ظاهرة عربية فقط، فهو أيضا ظاهرة عالمية. فهناك رشوات تحت الطاولة، وسرقات ممنهجة تعبر الأنهر والمحيطات، وبنوك عالمية تستقبل أكداس الأوراق المالية. لكن فساد العرب له طعم آخر، ومبدأ دنيوي محصّن، وعقائد وتشريعات وفتاوي دينية تجعله واجبا شرعيا، وحقا وطنيا!

لذلك قامت الدول الكبرى بنشر الفساد بعد دراسة جيناتنا وغرائزنا وأمراضنا، فدعمت الفاسدين في أوطاننا لأضعافه وتمزيق كياناته وقيمه الاجتماعية. وهو ما جعل العراق، على سبيل المثال لا الحصر، جثة هامدة لا تقوى على التنفس والنهوض والتغيير!

مازال العرب عربا بالاسم والجنسية، ومازالت الأوطان مريضة بحب ليلى رغم وفاة الفتى العربي قيس بن الملوح منذ زمن بعيد. مازلنا نعيش في عصر الجمهوريات المدججة بأيدولوجيات القمع والقهر التي تقودها الثكنات العسكرية وميليشيات القتل بعد أن قتلنا الملوك والوطنية والبساطة والذوق.

لم يعد لدى العرب اليوم سوى أوطان من تجارة الخردة، ومزابل لا نتاج صناعات العيش وتدوير الرزق. حيث المواطن العربي يجمع "خردة الوطن" من المزابل والحاويات والنفايات ومخلفات المطاعم والكراجات والبيوت. مثلما هجّرت الملايين من مواطنيها قسرا من حدودها إلى البحر والبر!؟

مأساة هذه الأوطان العربية أنها أصبحت مرتعا لرمي نفايات وسكراب العالم، وأصبح المواطن مشغول بتدويرها، والعيش من خيراتها. أوطان تغرق بالنفط ومواطنيها يعملون بتجارة "خردة"، والبحث عنها في المزابل. أوطان جعلت المواطن العربي "خردة" يعيش في حياة "تصلى نارا حامية". فأصبحت أسوأ دول العالم في العيش والتنمية، وخارج تغطية الفرح والفعل والفاعل، وجحيم حي على هذا الكون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق