آراء وافكار - مقالات الكتاب

ترحيل السعادة

يراد للوطن أن يبادلنا الحب، أن يعطينا من شغاف قلبه، كما أعطيناه من أرواحنا وأعمارنا، لا يمكن للحب دواما، ما لم يكن بقلبين، ليس من الانصاف أن تكون الصدور سواتر للدفاع عنه، بينما نطرق الأبواب الغريبة بحثا عن السعادة، من دون أن يأسف لحالنا ونحن نمخر عباب البحار ونتدثر بجليد السماء ونتدفأ بالأمل، أليس عيبا أن يظل صامتا حيال لوعة أطفال يائسين قبالة أسلاك هذا البلد او ذاك، يحتار بنا العالم، بينما لا نخطر على باله، الا بعد أن تفوح رائحة الفضيحة، فنعود صاغرين تحملنا طائرات الوطن الى حيث لا نريد، وعلى مضض نقبل بالعودة ونرحّل السعادة القريبة الى القادم من السنوات.

ما أعمق قول الامام علي (ع) (الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة)، وهكذا يفكر الجميع بالبحث عن وطن غير الذي وجدوا أنفسهم فيه، ولا يريدون ببحثهم مالا ليغتنوا، بل سعادة، هناك طرق شتى لجمع المال، لكنه ليس على الدوام مبعثا للسعادة، بل يعجز أن يأتي بالستر او العافية او الطمأنينة، ربما يحقق لك أمنا، لكنه يفشل في اشعارك بالأمان. وفرق كبير بين الأمن والشعور بالأمان. مازلنا غرباء في الوطن، وصبرنا نفذ، ولم يبق من العمر شيئا للانتظار، ماذا ننتظر والأبواب مغلقة والوطن بلا ملامح؟

السعادة هي الخلاص من قلق المستقبل، أن تطمئن لغد أولادك، ولأنك قلق من غموض المستقبل فترحّل فتات السعادة التي بين يديك على بساطتها، وتعمل جاهدا على بناء بيت يلمهم، وتنفق ما تملك لمواصلة دراستهم، لضمان نقطة انطلاق تعينهم على استمرار العيش، وتجنيبهم مآس كنت تعرضت لها، وتحريرهم من عقد عانيتها، وتواصل الليل بالنهار كدا، وتستبعد تعويض نفسك عن أيام حرمانها، وقد يرحّل الأبناء سعادتهم أيضا مثلما رحلّنا سعادتنا، فلا ندري كيف ستكون أحوالهم في المستقبل.

السعادة أن تفاخر الآخرين بحاضر وطنك وليس بماضيه فحسب، فلا قيمة لماض لا يصنع حاضرا بهيا، وعندما لا يكون الأمر كذلك، فهذا يعني عدم ادراكنا لجوهر الماضي، فالدخول الآمن للمستقبل لا يعني العودة للماضي كما يروج لذلك المهوسون به، بل أن نفهمه ونتدبر دلالاته، فقد رحّل الماضون سعادتهم ليكون بمقدورنا التفاخر بما صنعوا، ان فشلنا في استيعاب الماضي أربك حاضرنا وأضاع مستقبلنا، وصرنا نتكيء في تفاخرنا على المشرق من الماضي لنتجاوز عقدة خجلنا من الحاضر.

السعادة أن تجد نفسك في المكان المناسب، وليس في الهوامش، بينما التافهون في المتون، وبغير ذلك لن يكون بمستطاعك العطاء والابداع لإسعاد نفسك ومن حولك، عقود مرت والتافهون يتصدرون الصفوف، فتوقف العطاء، ولقي الابداع حتفه، وصرنا نراوح في الوحل، بينما يستمتع العالم بالسعادة.

لو كان للوطن لسانا لصرخ بأنه بريء مما حدث ويحدث براءة الذئب من دم يوسف، وانه لم يكن طاردا، ولم يبخل يوما على أحد أبدا، فمذ عرفه التاريخ كان اناء مفتوحا يغرف الجميع منه بلا تمييز. لكن الوطن ليس الأرض، بل الناس والأرض، نحلم بهذا الوطن المشتهى ليلفنا بأحضانه، ويشعرنا بدفء محبته، ويسورنا بالأمن والأمان، ويعتق رقابنا من عبودية الظلاميين الخارجين للتو من الكهوف، لتصدح حناجرنا بالفن، وقلوبنا بالمحبة. لكن أعمار من قبلنا قضت، ويبدو اننا على الطريق نفسه، وليس في البال سوى الانتظار لعل السعادة تأتي، مع اليقين بأنها مازالت بعيدة المنال. فهل قدرنا أن نسيح في شرق الأرض وغربها بحثا عن مكان مناسب، وما نفعل للبقاء الذي يشدنا شدا لوطن سجين في زنزانة التافهين مذ شبت دولته الحديثة، من يفك قيود الوطن ليبادلنا الحب؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق