ليس العراقيون وحدهم منشغلين بقضية الصراع الدائر داخل أروقة البيت الشيعي، بل امتد هذا الانشغال الى المنطقة الإقليمية وكذلك المحيط الدولي، الذي اعطى مشروعية للاعتراضات التي تقدمت بها الكيانات السياسية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ما أعطاها مشروعية أكثر، ويمكن ان تأخذ مساحة ونطاق أكبر من الأيام الماضية.

ملايين العراقيين ممن يأملون التغيير يتمنون ان يكون هذا الاختلاف هو حول تنفيذ البرامج الانتخابية التي طرحتها القوى السياسية في حملتها الإعلامية وجولاتها الانتخابية على جمهورها الذي فقد الثقة فيها أيضا للإحباطات الكبيرة التي اصابته بمرور الزمن، لكن وبحسب المعطيات الواضحة ان الحرب الدائرة هي حرب مصالح لا حرب منافع يكون المقصود فيها المواطن وحده.

لو تتبعت عزيزي القارئ الكريم لمراحل الخلافات بين الكتل السياسية سترى ان جميعها قائم على أساس اثبات الوجود في خط اللعب السياسي الأول، أي الهم الوحيد هو البقاء في المقدمة، والحفاظ على المكانة ذاتها التي حصل عليها في بدايات تكوين العملية السياسية، بعيدا عن التغيرات التي حصلت برؤى وأفكار الجمهور حول الأداء الرتيب لتلك القوى.

الخلافات المتجذرة بين الكتل المشتركة في السياسية العراقية، تنحصر في بعض الأحيان بزاوية الصراح الفردي بين الشخصيات التي تقود وتتحكم بالمشهد، فتجد أي اختلاف بوجهات النظر بين شخصيتين يحملان نفس الثقل في الميدان السياسي، يتحول الى صراع كتلوي، له بداية وغير معلوم النهاية وتبقى الدائرة تدور وتسحق الأخضر واليابس، عبر الاتهامات والتخوين والدفوعات المعلبة التي يتقدم بها كل طرف لضرب الآخر.

وتمضي شهور او سنوات وقد تكون دورة انتخابية كاملة وحدة الصراع لم تخف مطلقا، كل ذلك وقوده الخوف من الآخر الذي يعمل على اقصاء الشريك من الساحة والتفرد بكل شيء، وكأنه حصل على التخويل لان ينوب عن الجميع ويهمش الكل، ويبقى هو المتسيد دون شريك او منازع له على ذلك.

هذه الرؤية التي يحملها من يتصدى للعمل في العراق لها الكثير من الاضرار الجانبية، وقد تكون المرض الذي ينهش كيان المنظومة السياسية، اذ تقود هذه التصرفات الى فقدان الثقة بالشريك الذي يتحين الفرصة لأقصاء الآخر او قص اجنحته ومنعه من الطيران ضمن السرب.

لو أردنا معرفة منطقة الصراع الدائر حاليا، فيمكن ان نحصرها في الكتل الشيعية بالدرجة الأساس، على الرغم من وجود مشتركات كثيرة بينها، تمكنها من تجاوز الخلافات والانفتاح على الشركاء من المذاهب والطوائف الأخرى، ليبقى الرونق دائم الخضرة، ولا تطاله سموم الخلافات فتتيبس أوراقه وتسقط في اول خريف.

نتيجة لفقدان الثقة نلاحظ العلاقة بين الأطراف المؤثرة في القرار السياسي الشيعي تتسم بالتذبذب، ولا يمكن ان تسير بنفس الوتيرة، وهذا التفاوت الكبير في المواقف والتفاهمات تتحكم فيه كمية الوعود والاشتراطات التي تضعها الكتل كدروع لحمايتها من رصاص الغدر الذي ذاقت طعمه في السنوات الماضية ولا تريد تذوقه مرة أخرى.

ولهذا الامر كثرت الانشطارات في الكتل والكيانات الشيعية على مدى السنوات الماضية، حتى تشضحت كالجبال الكبيرة وتحولت الى تلال متعددة، لا يربطها سوى المصالح الحزبية الضيقة والمكتسبات المؤقتة القادمة عبر المشاركة في إدارة المؤسسات الحكومية التي قسمت بالتراضي لا وفق الاستحقاق الدستوري.

ما راقبناه من أداء واخفاق سياسي على جميع الأصعدة عزز الاعتقاد بعدم وجود برامج وخطط مستقبلية، وربما يعود السبب لنقطة جوهرية وحيدة، وهي ان جميع الكتل السياسية لم تأتي للسلطة لإثبات افضليتها، بل جاءت لتستغفل الجمهور وتواصل السيطرة على خيراته ومقدراته، بعيدا عن وضع البرامج والعمل على تنفيذها والالتزام بالوعود واوقات تطبيقها.

الطبقة السياسية الحاكمة في العراق لا تعير للجمهور أي حساب غير انه وسيلة للوصول، فلو كانت عكس ذلك لاحترمت رأيه وقبلت بالنتائج الأخيرة للانتخابات المبكرة، لكنها التفت على الإرادة الشعبية، وحجمتها لكيلا تخرج السلطة من يدها، بعيدا عن الاعتراف بما عليها من حقوق واجب تأديتها وانصاف الجمهور بها الذي دفع ولا يزال يدفع ضرائب الخصام السياسي.

اضف تعليق