ايا كانت الدوافع والخطط التي دفعت جهة ما، الى تدبير محاولة اغتيال زعيم حزب الكتائب اللبناني في حينها، بيار الجميل، في الثالث عشر من نيسان عام 1975، لكن المحاولة الفاشلة - ادت الى مقتل اثنين من مرافقيه - كانت كافيه لتطلق شرارة الحرب الاهلية اللبنانية، التي دامت اكثر من 16 عاما ونتج عنها مقتل 150 الفا، وتشريد مئات الالاف وهجرة امثالهم وضياع فرص عظيمة على اللبنانيين وضيوفهم الفلسطينيين ومن ورائهم العرب.

كان ممكنا الاستفادة منها لتحقيق مصالح جميع الاطراف السياسية وغير السياسية، ولأمكن منع الكثير من التداعيات المهولة التي ترتبت على الحرب الاهلية، من صراعات مذهبية ودينية وحروب نيابة واحتلالات اسرائيلية، وتدخلات عربية مضرة، وتدويل للازمة وصراع دولي مباشر على كيان صغير محدود الموارد والمساحة.

انتهت الحرب بتسوية، ولم تنته المضاعفات والمشاريع السياسية، ووصل الحال بلبنان الى الحد الذي لا يستطيع اطعام فقرائه، ولا مداواة مرضاه، ولا المحافظة على قراره السيادي.

قبل اندلاع الصراع، كان الخطاب السياسي والتحريض اليومي والتسلح العلني وتشكيل المليشيات الحزبية والطائفية امرا مشهودا ومعلوما دون ان يستطيع احد الاحتراز من نتائج ومآلات هذا التصعيد وبلغت المغالاة في المطالب ومزاعم الدفاع عن حقوق ومصالح هذه الجهة او تلك حد القداسة بين ماكان يسمى اليمين اللبناني - المسيحية السياسية المرتبطة بالغرب، والوطنية العربية التقدمية (اليسار القومي)!!!.

لم تفلح يومها نداءات الزعامات الروحية وجهود الشخصيات الكبيرة في تبريد الاحتقان، ولا منع المذابح، أو الوقوف بوجه التطرف السياسي والمذهبي والطائفي الذي اخذ صفة القداسة وخيار المصير الاوحد!، كان السيد موسى الصدر (رحمه الله) يواصل الاعتكاف تلو الاعتكاف، وينتقل من دارة هذا المسؤول الى مكتب ذاك الزعيم، ولكن منطق السلاح غلب العقلاء، فيما كان الدفع الخارجي وماكينات التحريض الحزبي واحلام الزعامة والسيطرة، تتغذى من يوميات الصراع، الذي تحول الى صراع هويات مذهبية ومشاريع سياسية، كلا منها يدعي انه الاصلح لجمهوره وطائفته وللكيان اللبناني.

لاحقا اكتشف اللبنانيون انهم خسروا كثيرا فلم يربح المسيحيون الحرب وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، لكن نجح السلاح في تحطيم صورة سويسرا الشرق، ودخل لبنان في مسارات جديدة ومصاعب رهيبة، ومازالت خيارات الحرب والسلام بين الطوائف تراوح مكانها، لا بلد اشبه بلبنان كالعراق في تركيبته الاجتماعية والسياسية والحزبية، وفي تاريخه السياسي المضطرب، ومثلما عانى لبنان من تدخلات الاخرين وتاثيرات الكيان الاسرائيلي عليه وتحيزات الغرب، وتعارضات مصالح الجيران واستعداد بعض اللبنانيين للمحاربة نيابة عن المتخاصمين والمتنافسين عربا وغير عرب.

يبدو المشهد العراقي نسخة مكبرة عن المشهد اللبناني، حيث تغيب العقلانية السياسية ويزداد الزهو بالسلاح، ويتعمق التحفيز والتحشيد الايديولوجي، وتغدو جميع الحلول عاجزة عن ارضاء الاطراف المتنافسة على السلطة والثروة والمشروعية السياسية والدينية.

عندما تصل الامور الى حالة الانسداد، لا ثقة بالانتخابات ونتائجها، ولا احتكام الى الدستور والقانون، ولا انصياع لمنطق الدولة وسلطاتها، لا يتبقى غير الحكماء وبقية من عقلانية سياسية تتحرك هنا وهناك، بأمل ان يشعر اطراف الخصومة بخطورة بلوغ الازمة نقطة اللاعودة، الجميع يدرك ان اعادة الانتخابات غير ممكن، والمضي بالنتائج المطعون بها ليس بالامر الهين على من يملك قدرة تعطيل الحلول، فاصل الصراع والاختلاف هو تناقض رؤيوي ومصالحي واستقواء على الدولة وبأدوات الدولة.

جوهر التناقض هو مصلحة الناس ومعاشهم وامنهم ومستقبلهم، فكل فريق رهن هذه المصلحة برؤيته، وربطها بالرموز الدينية والميثولوجيا المذهبية، يقتضي هذا الامر خروج الناس ورفضهم لمن يتحدث باسمهم ويفرض منطقه عليهم، لا سبيل الى ذلك مادامت الاكثرية المتنحية عن الصراع تنتظر حلا من السماء أو فرجا بتنازلات يقدمها عقلاء، لدفع غائلة البلاء عن العراق من منطلق المسؤولية السياسية والمصلحة الشرعية وفرارا من المسائلة الاخلاقية، فيما لو حدث طاريء - لاقدر الله- ، وافضت الخصومة والتنابز السياسي الى صراع ساخن باستخدام السلاح المقدس ،أو اذا نجح (طرف ثالث) في قدح زناد الحرب بين الاخوة الاعداء، عند ذاك يهلك السائل والمسؤول!!!؟.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق