من كان يصدق ان الانقسام الشيعي-الشيعي سيصبح احد التهديدات الكبرى للدولة والمجتمع في العراق؟ قبل ذلك بسنين ما كان متوقعا ان يكون الفضاء الديمقراطي مفتوحا على نطاق اوسع مما ينبغي، ليسمح ببروز الهويات الطائفية والقومية بصورة تهديد خطير للوحدة السياسية للبلاد! كل ذلك حصل ويحصل في غضون اقل من عقدين من السنين في عراق ما بعد الاستبداد والشمولية المرعبة.

هل من افق واعد ليتجاوز العراقيون ازمات الانقسام الايديولوجي والطائفي والقومي لمصلحة هدف اكبر وهو اعتدال قامة الدولة واستيعابها لكافة مواطنيها في نظام ديمقراطي مستقر فاعل؟.

في المجتمعات التي لم تعش الديمقراطية طويلا، ولم تختبر نفسها كثيرا في قبول الاليات الديمقراطية في حسم التنازع على السلطة والقبول -وان بمرارة وحزن - بنتائج صناديق الاقتراع، كما هو مجتمع العراق اليوم ،يبدو الامر طبيعيا، عندما لا تعود الانتخابات ونتائجها آلية كافية لحسم الصراعات والهواجس والمطامع والغايات النهائية لممارسة السياسة والعمل السياسي، اما للتشكيك بنزاهة الانتخابات اساسا، أو لعدم القناعة باللجوء الى الجمهور في حسم الخيارات والمشاريع السياسية بين المتنافسين والمتبارين.

عندئذ لا يبقى مجال لمنع تدهور الحال السياسي وانفلاته الى العنف والفوضى، سوى البحث عن تسويات وتوزيع مكاسب السلطة، بما يضمن لكافة القوى السياسية حضورا يمنع انفراد حزب او تيار او زعيم بقيادة البلاد والهيمنة على مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، بما يمكنّه من ممارسة دكتاتورية الاكثرية كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي الشهير آلان تورين في كتابه القيم (الديمقراطية).

هنا يدور البحث عن توفير ضمانات للاقلية السياسية كي لا تشعر بالاندحار وخسران مكاسبها، وكي لا تشعر بالنبذ والاستبعاد والاقصاء فتعوض ذلك باللجوء الى العنف بمسوغ الدفاع عن الوجود والحقوق.

القضية اذن تدور في منع استقطاب المجتمع السياسي الى محورين متصارعين، يشك كل محور منهما بنوايا الاخر ويغذي شكوكه يوميا بمخاوف مستجدة، تفرزها سلوكياتهما السياسية. في هذه الحالة لا تكون الالية الانتخابية مخرجا من حالة الصراع، بل انها قد تكرس مزيدا من الانشقاقات والانقسامات وتناقض الرؤى للمشاكل والازمات التي تعيشها البلاد. ناهيك عن الانجذاب والانصياع للتدخلات الخارجية والمؤثرات السياسية المستمرة.

نحن بازاء أزمة من نوع جديد، أزمة انقسام عمودي داخل المكون الاكبر، الذي كان يعول عليه، باعتباره صاحب المصلحة، ليكون الاجدر بضم الفئات والقوى السياسية للمكونات الاخرى، الى مشروع بناء نظام الامة-الدولة، الذي يضمن قيام دولة ديمقراطية ناجحة قادرة على ضمان الحياة الكريمة لمواطنيها.

في سياق البحث عن اسباب هذا الانقسام لا نجد الفكر السياسي والايديولوجي وحده،رولا يقتصر الامر على اختلاف زوايا النظر الى المصلحة فحسب، بل في غياب الاخلاق السياسية التي تشكل الجزء الضروري والاهم في سلوك الفاعل السياسي الناجح المسؤول.

ففي جرد سريع لمستوى التعامل والتفاعل والتفاوض بين الشركاء السياسيين طيلة المدة المنصرمة ،يظهر بوضوح ان السياسيين في الاعم الغالب، تميزوا بضمور وازع التسامح والاعتراف بالاخر بوصفه شخصية ذات امتداد اجتماعي -سياسي ذي قدرة تمثيلية لجزء من جمهور الامة، ان الاعتراف بوجود الاخر المختلف حزبيا وثقافيا وقوميا وطائفيا، وقبوله شريكا يخفف كثيرا من غلواء التعصب السياسي والتوجه الاقصائي، ثم تأتي الخطوة الثانية بالأئتلاف مع الفاعلين السياسيين القريبين في الرؤية والمشروع لتشكيل اكثرية برلمانية او حزبية او انتخابية، هذه الاخلاق السياسية نفتقدها في العراق.

واستعضنا عنها باخلاق التقاسم للمغانم السلطوية والتخادم الحزبي او الشخصي ، وحصرنا الخيارات بثنائيات ايديولوجية، وطني /اممي، علماني /اسلامي /مقاوم /مساوم ومالى ذلك من تصنيفات صارت هويات سياسية تتحول الى صراعات بين الجماعات والاحزاب والمكونات، ان اخطر انواع الصراعات تلك التي تتلبس لباس الهوية وتمنح الشرعية لكافة انواع السلوك العنيف والاقصائي، ما يحتاجه العراق لعبور ازمة انتخابات 10-10 -21 هو نوع من الاخلاق السياسية التي تمنع مفاعيل الانقسام من ان تتحول الى اتجاهات تعصبية حادة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق