قلت في مقال سابق ان العلاقة بين قوة العامل الداخلي وضعف العامل الخارجي عكسية: قوة العامل الداخلي تؤدي الى ضعف تأثير العامل الخارجي في الداخل. والعكس يصح؛ بمعنى ان ضعف العامل الداخلي يغري العامل الخارجي بالتدخل. لذا، اقول ان الهتافات الحماسية ضد هذا العامل الخارجي او ذاك لا معنى لها اذا لم تفترن بقوة العامل الداخلي. بل ان العامل الداخلي القوي لا ينزع الى مخاصمة العامل الخارجي، انما يعمل من اجل اقامة علاقة متوازنة مع العامل الخارجي تحقق مصالح الطرفين. هذا هو قانون العلاقات الدولية، فالعداوات بين الدول سرعان ما تذوب وتختفي بعد فترة، وذلك حين تدرك الاطراف المعنية ان العداوة فيما بينها لا تحقق مصالحهما. وخير مثال يضربه الباحثون في العلاقات العدائية بين الصين والولايات المتحدة الاميركية، وكيف انهت لعبة بينغ بونغ حالة العداء في النصف الثاني من القرن العشرين الماضي.

نعود الى البداية بعد هذا الاستطراد السريع. الاداء الدولي للدولة انعكاس وتجسيد لحالتها الداخلية، وامتداد لحالة العامل الداخلي. فكلما كان العامل الداخلي قويا بتماسكه كلما كانت قدرة الدولة على اقامة علاقات خارجية متوازنة مع الدول الاخرى.

يستمد العامل الداخلي قوته من عدة مصادر، منها الثروة الطبيعية، الاقتصاد، الخ. لكن المنبع الاهم لقوة العامل الداخلي هو الشعب نفسه. الشعوب القوية والصالحة والفعالة هي التي تستطيع ان تمد دولتها بالصلاح والقوة والفعالية في المسرح الدولي. بهذا انا اعطي للشعب الاولوية. فالشعب هو صاحب السيادة، ويستمد الشعب سيادته من الجهة المانحة التي يؤمن بها. وبالنسبة لشعب مسلم باغلبيته كالشعب العراقي، فانه يستمد سيادته من الله الذي استخلف الانسان في الارض، انطلاقا من قوله تعالى:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً". والشعب الذي يماري بهذا العطاء ويتنكر له ويُعرض عن الله انما يخسر هبة الهبة التي تناضل الشعوب الحية والواعية عادة من اجل الحصول عليها.

قد يخالفني بعض القراء ويعطي الاولوية للحكومة، وانا لا انكر اهمية الحكومة، لكن الحكومة هي تعبير عن "حالة" العامل الداخلي، حتى وان كانت غير ممثلة له بالمعايير الديمقراطية. الشعب الصالح الفعال يقيم حكومة صالحة فعالة. والعكس يصح. والشعب الذي يسكت على حكومة فاسدة يتحمل جزءً من مسؤولية بقائها. ولا تقل لي ان هذا لا ينطبق على الشعب العراقي، ولا تقل لي ان الشعب العراقي خامل لا امل فيه. وعندي ثلاثة امثلة يكون فيها للشعب العراقي الدور الكبير. المناسبة الاولى، الانتفاضة الشعبانية عام ١٩٩١، والثانية، تظاهرات تشرين الاحتجاجية عام ٢٠١٩، والثالثة زيارة الاربعين. فهذه امثلة على ان الشعب العراقي شعب فعال شجاع ذو طاقة كبيرة رغم ان الشعب في هذه المناسبات لم يستطع فرض خط اصلاحي للدولة والمجتمع لان هذا الخط لم يكن واضحا في الحالات المذكورة عكس ما كان عليه الامر حين ثار الامام الحسين الذي صرّح بوضوح انه خرج طلبا للاصلاح في امة جده، وكان يقصد بشكل محدد وحاسم تولية يزيد لخلافة رسول الله.

ان الاصلاح السياسي الحقيقي للدولة لا يتحقق دون تحقيق اصلاح العامل الداخلي الذي يشكل الشعب عموده الفقري. ولا اقصد بالشعب هنا فقط جماعة الناخبين، اي الافراد الذين يحق لهم الادلاء باصواتهم في الانتخابات، وانما اقصد عموم الناس، لان القانون التاريخي والسنة الالهية تقول:"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ". فالكرة في ملعب الناس اولا، فإذا تحقق الاصلاح على مستوى الناس، كان الاصلاح على مستوى الحكومة اسهل، بل ان اصلاح الحكومة تبع ونتيجة لاصلاح الشعب. و تلك هي "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"، "وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا".

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق