تٌعد المشاركة في الانتخابات النيابية وسيلة هامة يمكن للمواطنين من خلالها التأثير على القرارات الحكومية عن طريق اختيار أحد المرشحين لتمثيله في الهيئات المنتخبة التي تتولى إعداد القوانين أو في بعض المناصب التنفيذية. ومع أن دور المواطنين الناخبين لا ينتهي عند الإدلاء بصوتهم لأحد المرشحين عن دائرتهم، إلا أن أكثر الناخبين يرون أن دورهم انتهى عند وضع بطاقة الاقتراع في صندوق الانتخابات لصالح أحد المرشحين ممن يظنون أنه أهلا لعضوية مجلس النواب.

ويعتقد غالبية المواطنين أن الكرة بعد الانتخابات ستكون في ملعب المرشح الفائز، هل سيفي بوعده لناخبيه أم سيخون الأمانة، هو وضميره إن كان مستقلا، أو هو قيادة كلته السياسية إن كان يتبع كتلة أو حزب سياسي، إن أرادوا نفذوا وعودهم الانتخابية، وإن أرادوا تملصوا منها، كما يفعل غالبية المرشحين الذين يصلون إلى عضوية مجلس النواب.

ليس ثمة شك أن الدور الذي يمكن أن يقوم به المواطن ما بعد الانتخابات ليس واضحا لجميع الناس، بل هو ليس واضحا لجميع الكتل السياسية والأحزاب والشخصيات المجتمعية والدينية والمدنية. لأن الكل يظنون بما فيهم المرشح الفائز أن دور المواطن ينتهي عند وضع ورقة الاقتراع في صندوق الانتخابات. لماذا؟

لأن التركيز دائما يجري على مرحلة ما قبل الانتخابات، وهي حث الناس على الذهاب إلى صناديق الاقتراع للتصويت لأحد المرشحين، وينتهي دور المواطن الناخب لحظة وضع ورقة الاقتراع في الصندوق، ويبدأ دور المرشح الفائز في تنفيذ مطالب الناخبين وإنجاز البرامج السياسية والاقتصادية المعلنة من قبله أو المتفق عليها من قبل الانتخابات بين المرشح الفائز وجمهوره.

هذه الرؤية مبنية على أساس أن الناخب قد وكل المرشح الفائز لينوب عنه في المطالبة بحقوقه المشروعة، ويتحمل الوكيل (المرشح الفائز) مسؤولية المطالبة بالخدمات والحقوق والحريات التي يحتاجها المواطنون. إذ أن الانتخابات مبنية على فرضية عدم إمكانية الناس كلهم للاشتراك في الحكم، بل لابد لهم من اختيار من يمثلهم في مجلس النواب أو في الحكومة ليتولوا مهمات ومسؤوليات إدارة الدولة في السلطات التشريعية والتنفيذية نيابة عنهم.

في الواقع؛ إن القول إن دور المواطنين ينتهي عند التصويت لصالح أحد المرشحين، ويأتي دور المرشح الفائز دون أي تدخل أو تأثير من الناخبين هذا ليس كلاما دقيقا، وإن كان هذا الكلام يدلل على الواقع الانتخابي والسياسي أكثر من غيره، والسبب الحقيقي أن ثقافة مسؤولية الناخبين في التأثير على المرشح الفائز شبه معدومة تقريبا، فالرأي الجمعي هو أن المسؤولية انتقلت من عنق الناخب إلى عنق المرشح، وهو يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والمجتمعية في تحقيق ما يصبو إليه الناس من خدمات وحقوق وحريات.

بل ما قبل الانتخابات غير ما بعد الانتخابات، فقبل الانتخابات يذهب المرشح إلى شوارع وبيوت ومدارس ومؤسسات ناخبيه، وهو من يضطر إلى طرح أفكاره وتصوراته ومشروعاته وبرامجه وأهدافه إلى الناس من أجل إقناعهم بها، وبالتالي التصويت عليها، وهو من يتحمل نقد الناس له أو لكتلته أو لعائلته أو لبرنامجه السياسي، فالناس لا يرضون بسهولة عن أي شخص يطرح نفسه نائبا عنهم، ولا يدلون بصوتهم إلى أي مرشح يطرح عليهم أفكارا وبرامجا من دون أن تكون مقبولة عندهم أو تلامس جزء من واقعهم. ولهذا تعد مرحلة ما قبل الانتخابات عند الكثير من المرشحين من أصعب المراحل وأهمها لأنها بيد الناس كاملة، فان ادلى الناس بصوتهم له فائز، وإن امتنعوا خسر، وعاد من حيث أتى.

وأما ما بعد الانتخابات، فالناس جميعا يشعرون أن ليس لهم أي سلطة أو سلطان على المرشح الفائز، ولا يستطيعون التأثير عليه، بل ربما لن يتمكنوا من رؤيته مرة أخرى كما كانوا يرونه من ذي قبل، كما أن المرشح الفائز لم يعد يشعر أن المواطنين سيكون لهم تأثير على وجوده كعضو في مجلس النواب، ولا يستطيعون تنحيته ما لم تنه مدة عضويته التي هي في الغالب (4) سنوات. بل تنتقل علاقات المرشح الفائز من علاقات مع الناس إلى علاقات مع سياسيين وزعماء مجتمعيين، وعلماء دين، وشخصيات إقليمية ودولية، وهو ما تفرضه عليه طبيعة عمله. وفي الغالب فان مثل تلك العلاقات تصب لمصلحته دون مصلحة جمهوره.

وفي مرحلة ما بعد الانتخابات يشعر المرشح الفائز بالزهو والمكنة والقدرة والمكانية المجتمعية ويتعامل مع بعض أبناء دائرته بالتعالي والتفاخر، فيمتنع عن الحديث مع بعضهم، أو استقبال بعضهم، أو يغلق هاتفه، أو يقلل من زيارته إلى الفقراء والمحتاجين، أو ينتقل من مكان سكنه ودائرته إلى منطقة أخرى وهكذا.

نعم؛ هذا ما يحصل كثيرا ليس في العراق، وحسب بل في العديد من الدول التي تجري فيها الانتخابات، فان الفجوة تزداد كثيرا بين الناخبين والمرشحين ما بعد الانتخابات، والوعود التي يعد بها المرشحون الفائزون مواطنيهم تذهب سدى من أول لحظة يُعلن بها أسم المرشح الفائز. وكأن الانتخابات إنما تجري فقط لترشح هذا المرشح أو ذاك لا لتحقق حاجات الناس، وحفظ حقوقهم والدفاع عن حرياتهم. ولعل هذا أهم الأسباب التي تدفع الناس في عدم المشاركة في الانتخابات لأنها بالنتيجة لا تقدم ولا تأخر شيئا لهم.

وإذا كانت ثقافة مسؤولية المواطنين في مساءلة المرشحين الفائزين ما بعد الانتخابات شبه معدومة؛ فمن الطبيعي ألا تكون هناك أي آليات ووسائل يمكن المواطنين من متابعة ومراقبة تنفيذ حقوقهم المشروعة، سواء من خلال مرشح الدائرة أو من خلال مجلس النواب كله، أو من خلال الحكومة التي يختارها مجلس النواب.

ولكي تكون للانتخابات أثر مستمر في العملية السياسية، ولا تقتصر على التصويت للمرشحين فقط، ولكي يظل المرشحون الفائزون على تماس مباشر مع مواطنيهم، ولكي يظل المواطنون يرقبون أداء ممثليهم في البرلمان والحكومة، كونهم الأصلاء، ومن حقهم أن يطلعوا على ما يجري في أروقة البرلمان والحكومة، وأن يغيروا التشريعات والقرارات والسياسات التي لا تلائمهم، لابد أن تفكر الدولة بكل مؤسساتها، والنخب السياسية والثقافية والمجتمعية والمؤسسات الدينية والمدنية في توفير جميع الوسائل التي تضمن للناخبين تحقق أهدافهم المرجوة في الانتخابات، وفي مراقبة ومتابعة المرشحين الفائزين ما بعد الانتخابات بما يضمن تحقق الأهداف التي من أجلها تجرى الانتخابات، والتي فيها تنفق المليارات من أموال الناس أنفسهم.

ولابد من وضع مجموعة من القواعد والمرتكزات التي تفسر وتشرح أهمية الانتخابات ودورها في تحقيق الخدمات والحقوق والحريات المنشودة، وفي سن وتعديل وتغيير القوانين والتشريعات والقرارات التي تقف دون تلك المطالب. ولعل أهم تلك المرتكزات التي ينبغي ترسيخها في العملية السياسية ما بعد الانتخابات، هي:

1. المرتكز الأول: المواطن هو الأصيل والنائب هو الوكيل:

ينبغي أن يشعر المواطن الناخب أنه هو الأصيل والمرشح هو الوكيل، وأن أصالة المواطن لا تنتهي بالإدلاء في صوته يوم الانتخابات، بل تظل إلى ما بعد الانتخابات، وله الحقوق كلها في متابعة شؤونه وشؤون منطقته، مثل أي توكيل آخر يمنحه هذا المواطن لأي شخص للقيام بمهمة ما بالنيابة عنه، فان شاء أمضى ما قرره، وإن شاء رفض، أو عدل.

2. المرتكز الثاني: الانتخابات هدفها تحقيق الخدمات وإنجاز الحقوق وفسح الحريات:

لا تجري الانتخابات من أجل اختيار أحد المرشحين لعضوية مجلس النواب وانتهى كل شيء، بل تجري الانتخابات من أجل توفير الخدمات، والدفاع عن الحقوق، وفسح الحريات. فان التزم المرشح الفائز بها كان مرضيا عند الناس وإن خل بها أغضب الناس، وكان لهم الحق في مساءلته ومحاسبته متى ما شاءوا...

3. المرتكز الثالث: المساءلة الشعبية حاضرة دائما:

من الخطأ أن يظن بعض الناس أن دورهم انتهى، أو يظن بعض المرشحين الفائزين أنه بات حرا وبعيدا عن أعين الناخبين، ويستطيع أن يفعل ما يشاء ومتى ما يشاء. بل الانتخابات سبب رئيس من أسباب مراقبة أداء النائب ومساءلته. ولابد من الاتفاق على آليات تلك المساءلة حتى تكون واضحة للناخب والمرشح الفائز.

4. المرتكز الرابع: المكاتب الشعبية جزء من العملية الانتخابية:

لكي يتمكن المواطنون من التواصل والتنسيق مع ممثليهم في البرلمان فلابد أن يؤسسوا مكاتبا لهم يمكن أن يجتمع فيها أبناء الدائرة، ويناقشوا مستوى الخدمات العامة، والحقوق والحريات التي يطلبونها ويرغبون فيها، ويدعون نوابهم في مجلس النواب للمشاركة فيها والاستماع إليها ووضع خريطة عمل لتنفيذها على مستوى إصدار التشريعات أو القرارات أو الضغط على المسؤولين التنفيذين. وهذه المكاتب يمكن أن تكون في المؤسسات الحكومية، أو في مضايف الشيوخ والوجهاء، أو في بيوت المختارين أو في أي مكان يمكن أهل الدائرة الانتخابية من الاجتماع والتعبير عن حاجاتهم ومشكلاتهم.

5. المرتكز الخامس: المرشح يظل في دائرته حتى آخر يوم من انتهاء مدة عضوية:

من المسائل الأساسية التي تعبر عن بقاء الانتماء لأبناء الدائرة الانتخابية هو استمرار الناخب بالعيش في المنطقة الانتخابية نفسها دون الانتقال إلى العاصمة بغداد إلا من أجل المشاركة في جلسات البرلمان، ودون الانتقال إلى منطقة انتخابية أخرى. بل من واجبه أن يستمر بالعيش في وسط الناس من أجل أن يتمكن الناس من الوصول إليه بسهولة ويسر، ومن أجل أن يطلع هو عن كثب على مشاكل الناس، ويسعى إلى فهمها وحلها.

6. الاستفتاء الشعبي الدوري لتقييم نشاطات النواب:

من المسائل التي ينبغي أن يولي لها المجتمع المحلي دورا أساسيا هي إجراء استبيان أو استفتاء دوري عن مستوى الخدمات التي قدمها لها نوابها الفائزون، هل كان النائب يتواصل مع جمهوره؟ هل حقق النائب بعض تعهداته للناخبين؟ هل يحضر النائب في المجالس الشعبية؟ هل يحضر النائب في قبة البرلمان؟ هل النائب فعال في الدفاع عن حقوق ناخبيها وفي المطالبة بالخدمات؟ وغيرها من المسائل التي يجري من خلالها تقييم مستوى أداء النائب والتي ستؤثر حتما عليه وعلى حزبه في المستقبل؟

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق