تعطل مرة اخرى قطار التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي مر هذه المرة عبر بوابة الاقليم، الذي سمح بمروره بعلم ومسمع من حكومة الاقليم التي نفت علاقتها بالمؤتمر جملة وتفصيلا، لكن هذا النفي لا يقبله ساذج قبل عاقل، فكيف تريد الحكومة ان تقنع الجمهور بعدم علمها وقد حضرت في المؤتمر شخصيات على المستوى الرفيع منهم (حيمي بيريز) نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق (شيمون بيريز) ؟، فهل نزل من السماء لحظة الانعقاد ام تم التنسيق له وتوفير الاجراءات الامنية كافة؟!

التحضير للمؤتمر وجميع المراحل تمت بعلم وتنسيق مع حكومة الاقليم، لا سيما وان من يذهب للإقليم يجده يتمتع بمستوى عالي من الاجراءات الامنية، وقد يكون سبب من اسباب ازدهاره وجذبه السياح من عموم البلام وخارجها، لكن الذي حصل هو الآتي.

الرفض الشعبي الكبير من قبل الطبقات الشعبية والسياسية والعشائرية الاخرى، احرج القائمين على المؤتمر، ودفع بأربيل الى التنصل عن المسؤولية الكبيرة التي تتحملها وحدها، فهي كما في كل مرة تحتضن الشخصيات الارهابية وسراق المال العام، وتوفر لهم اجواء عيش آمنة بعيدا عن مطاردات حكومة بغداد المركزية.

فلا عجب ان تحتضن اربيل مثل هذه المؤتمرات وفي هذا التوقيت تحديدا، لكنها اصطدمت بالكتلة الجماهيرية التي توحدت وضمت الشيعة والسنة والكرد الذين يملكون بداخلهم قيم وثوابت تجاه رفض التطبيع منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، فالجميع في العراق يتعاطفون مع القضية الفلسطينية عبر بوابتين هما الإنسانية والإسلامية.

ففي العراق لا يمكن ان يمر التطبيع طالما وجود رفض قاطع من المكون الاكثر وهم الشيعة، وهذا الرفض يأتي من موقف المنظومة الدينية الشيعية التي لا يمكنهم الخروج عن توجيهاتها، ولذلك على المطبعين الحصول على فتوى المرجعية الدينية العليا للشيعة بجواز التطبيع، قبل أن يمضون قدما بتطبيعهم.

وتجسد ذلك في اللقاء الذي جمع المرجع الديني السيد علي السيستاني ببابا الفاتيكان، اذ اكد الاخير على عدم مشروعية الكيان الصهيوني، وكذلك عدم جواز التعامل مع رعاياه، معتبرا ان الاهتمام بالقضية الفلسطينية والقدس هو جزء من مسؤوليته وشعوره والإنساني والإسلامي.

ان مسارعة حكومة اقليم كردستان وكذلك بعض الشخصيات التي ادعت عدم معرفتها بمحاور المؤتمر او مضمونه، بالتبرؤ من نتائج المؤتمر وتبعاته يمثل محاولة جديدة من هذه الجهات الى تقليل الخسائر والظهور بمظهر الرافض تجنبا للسقوط الكامل بعين الجمهور الداخلي، في الوقت الذي تقترب فيه الانتخابات من الاجراء.

علاوة على ذلك فان المؤتمر ارتطم بالقانون العراقي والدستور فلو عرضنا ما حدث في المؤتمر على الجانب القانوني والدستوري، لوجدنا أن العقوبات التي تلحق بالمؤتمرين المتآمرين في أربيل هو الإعدام وفق المادة 111 لسنة 1969 وكذلك المادة 102 التي تجرم وتحرم التعامل مع إسرائيل إضافة إلى المادة 164 التي تنص على إعدام كل شخص يثبت تخابره مع أي جهة أجنبية تعمل ضد البلد، بالإضافة إلى أن الدستور العراقي في المادة السابعة يحضر التعاون مع كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب، وهذا أساس وجود إسرائيل كدولة، فهي تقوم على الإرهاب والعنصرية ضد الشعوب العربية و ضد الشعب الفلسطيني بالخصوص.

ما حققه المؤتمر خارجيا

ما حققه المؤتمر على المستوى الخارجي هو توجيه صفعة جديدة لإسرائيل التي بنت آمال وطموح على نتائج المؤتمر، فسرعان ما اعلنت وسائل إعلام إسرائيلية فشله وعدم تمكنهم من اختراق المنظومة العراقية بالشكل الذي يرغبون، اذ وصلت مديات الرفض للتطبيع في العراق إلى ملاحقة الحاضرين إلى المؤتمر قانونيا تصل لحد الاعدام، وبإجراءات عشائرية تصل لحد الطرد من العشيرة.

وبهذه الحالة تعترف إسرائيل بالخطأ الذي ارتكبته في اختيار الشخصيات والتوقيتات غير المناسبة على حد سواء، لكنها ظنت ان العراق كبقية الدول العربية المطبعة قابل للتطويع وظنت انه جاء دوره ليدخل في خانة اتفاقيات ابراهام، فأقدمت على خطوة غير مدروسة صرفت من اجلها اموالا طائلة وحشدت لها جهودا دولية ومحلية.

نتائج المؤتمر داخليا:

1- اولى النتائج المحلية المترتبة عن انعقاد مؤتمر اربيل للتطبيع، هي ان أبطال المسرحية اعترفوا بفشله وعدم تحقيقه أي نتيجة مما كان متوقع.

2- اظهر الموقف الحقيقي للشعب العراقي الرافض لأي شكل من اشكال التطبيع، واوصل رسالة انه شعب متمسك بقيمه وثوابته ولا وجود لإسرائيل على ارضه.

3- اثبت مجددا الرفض الموحد لتقسيم العراق من قبل جميع المكونات، واكد حرص العراقيين على وحدة ارضهم ضد التدخل والارادات الخارجية.

4- فشل محاولات ضرب السلم المجتمعي والعمل على إثارة النعرات الطائفية كما في الاعوام الاولى التي تبعت تغيير النظام.

5- اثبت وجود ارتباط وعلاقات سياسية سرية بين حكومة الاقليم والكيان الصهيوني، وهو ما يشكل خطرا جسيما على مستقبل البلد.

النقطة الاهم ان المؤتمر وعلى الرغم من انتهاءه دون نتائج ايجابية الا انه دق ناقوس الخطر مجددا، واشار الى وجود من يريد بالعراق شرا سواء من الداخل او الخارج، لذا فالاكتفاء بمجرد الرفض على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات التلفزيونية يعد نجاحا لإسرائيل في الاختبار الاولي، وربما ستنتظر الوقت المناسب وتعيد الكرة لكن عبر بوابة اخرى وممثلين آخرين، ومن هنا يتوجب إنزال العقوبة المناسبة والرادعة وفقا للقانون العراقي، حتى يعرف الجميع ان قطار التطبيع كلما يحاول المرور في العراق سيعطل.

اضف تعليق