لا يمكن لأي نبيه الاعتقاد ان عقد مؤتمرا بمشاركة شخصيات لها ثقلها العشائري او السياسي من دون موافقات مسبقة من حكومة إقليم كردستان فكيف سيكون الحال اذا كان هذا المؤتمر يستهدف الكشف عن خطوات مفترضة في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي والالتحاق بما ظهر حسب نتائجه باتفاقيات السلام المزعومة؟؟

لا اريد السقوط في مستنقع نظرية المؤامرة لتحليل اولي عن وقائع معلنة لها المؤتمر، لكن هناك عدد من المعطيات التي تؤكد ان هذا المؤتمر اكبر من مجرد بالون اختبار لردود الأفعال السياسية التي اكتفيت ببيانات الشجب والتنديد، فيما تمضي الخطوات نحو تأسيس قاعدة سياسية توافق على هذا التطبيع في توقيت مهم جدا، لقرب الانتخابات البرلمانية المبكرة أولا، وحالة الوضع الإقليمي والدولي التي تريد ان يكون العراق مرتكزا للسياسات الدولية في الشرق الأوسط الجديد، واي ربط ما بين عقد هذا المؤتمر وما سبقه من مؤتمرات دولية مثل قمة الجوار بمشاركة فرنسية مع قيادات إقليمية ومن قبلها تكرار قمم مشروع الشام الجديد التي تمثل اللبنة الأولى في انتاج الصفحة الجديدة من إدارة إسرائيلية مباشرة لمنظومة الشرق الأوسط الجديد من دون أي أعباء مكلفة على الولايات المتحدة الامريكية.

يضاف الى ذلك الأسباب الاقتصادية الواعدة لاستثمار غاز شرق المتوسط الذي يتطلب ربط انابيب الغاز والنفط العراقي والخليجي عبر موانئ العقبة واشدود الإسرائيلي الذي قامت الصين بتمويل وتنفيذ اعماله مؤخرا، لضمان تصدير الغاز تجاه اوروبا عبر ربط بحري من خلال محطات دفع في قبرص ومن ثم اليونان، مما جعل تركيا امام استحقاقات إقليمية متجددة تطلبت اللقاء بين الغريمين رئيس الوزراء اليوناني والرئيس التركي على هامش اعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي شهدت أيضا اجتماعات تستكمل نتائج قمة بغداد لدول الجوار والمشاركة بحضور قوي لوزير خارجية ايران!!

مشكلة الكثير من النخب والكفاءات العراقية انهم لا ينظرون الا داخل فنجان الوضع المحلي وربما حتى اقل من ذلك في حدود الوضع المناطقي فقط من دون تحليل مختلف المعطيات الإقليمية والدولية التي تدور حول العراق او يكون العراق ما بعد انتفاضة تشرين مرتكزا لتنفيذها، ويمكن لنا ان نعيد النظر في تلك الصورة التي نشرها مدير مكتب ولي العهد السعودي لاجتماع في مدينة "نيوم" على ساحل البحر الأحمر وعاصمة رؤية 2030 السعودية والتي ضمت ولي العهد السعودي وامير قطر ومدير المخابرات الإماراتية بلباس غير رسمي، بعنوان مبهج عن مستقبل العلاقات في المنظومة الخليجية، واستذكر هنا كلام الدكتورة ابتسام الكتبي احد قيادات الراي العام الاماراتي وهي تشرح فوائد اتفاق إبراهيم للسلام المزعوم مع إسرائيل، ما دامت اية استثمارات إماراتية في حقول الغاز والنفط الواعدة ما بين مصر وإسرائيل وقبرص والجنوب اللبناني، لا يمكن ان يبدأ تنفيذها من دون اتفاقات أخرى، لابد وان يكون العراق طرفا فيها بهذا الشكل او ذاك.

في اطار هذه المعطيات، يمكن تحليل مظاهر التطبيع في مؤتمر أربيل بشكل اولي، ربما هناك من يرفض ذلك علنا ويوافق عليه وفق معادلات البقاء في السلطة ما بعد الانتخابات المقبلة، وربما هناك من يرفض اطلاقا هذا التطبيع لأسباب أيضا سياسية، وربما هناك من يمارس دوره في الرفض او القبول لكن الجميع بانتظار نتائج الانتخابات المقبلة، لأكثر من سبب إقليمي ودولي، كل طرف يريد توظيف هذه النتائج لدوران عجلة مشروعه الذاتي، فهناك ملف التطبيع مع إسرائيل وانطلاق مرحلة الشرق الأوسط الجديد بفتح أبواب انتاج الغاز بكميات يمكن تصديره لاوربا تتضمن الغاز العراقي في منطقة عكاس غربي العراق، وأيضا الغاز الكويتي والسعودي، والاهم ان هذا المشروع لا يمكن ان يبدأ لبنانيا من دون موافقة مسبقة من حزب الله المسيطر على جنوب لبنان والذي تقع قباله قبة الغاز المطلوب استثمارها، وموافقته تتطلب موافقة إيرانية، وهذه الموافقة تتطلب شروطا معلنة على طاولة جنيف لمفاوضات الملف النووي الإيراني.

لذلك تبقى تحت الاكمة ما تحتها بانتظار الإفصاح عن التسويات النهائية في أكثر من ملف إقليمي ودولي، سيكون لها الأثر البالغ على تشكيل حكومة عراقية ما بعد الانتخابات المقبلة، ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق