تعد هجرة العقول نزفاً خطيراً غير منظور للمجتمعات العربية، حيث المعادلة الصعبة والمتناقضة بين رؤية تحديث المجتمع العربي، وهجرة العقول المتخصصة في أبرز الاختصاصات العلمية النادرة كالجراحات الدقيقة والطب النووي، والعلاج بالإشعاع، والهندسة الإلكترونية والميكرو الكترونية، والهندسة النووية، وعلوم الليزر، وعلوم الفضاء، والهندسة الوراثية، والادارة والحاسوب…الخ.

إضافة للعلوم الانسانية والاجتماعية وتخصصاتها التقليدية والجديدة. هناك استنزاف ظاهر، وهناك استنزاف باطن، والأخطر هو ان يستنزف المجتمع اقتصاديّاً وعلميّاً من دون رؤية ظاهرة، ومعرفة دلالاتها ظاهرياً بسبب طبيعتها غير المنظورة وصعوبة تقدير حساباتها الاقتصادية المباشرة، فهي تنخر في الباطن، ولا تشعر المجتمعات بمخاطرها الاقتصادية، الا عندما تصطدم الارادات المتباينة أو تبدأ الرغبات بإيقاظ الحاجات.

فهناك استراتيجية لنموذجين من الهجرة: نموذج تقليدي، وهو الهجرة الى الخارج. ونموذج معاصر، الذي تبنته الشركات العابرة للحدود بإقامة مراكز بحوث وتطوير داخليا (الهجرة الى الداخل)، واستثمار العقول العربية لمصلحتها السياسية والاقتصادية والمالية، من دون ان يكون للدول العربية فوائد علمية واقتصادية تخدم مجتمعاتها. بمعنى أنها أصبحت صورة للاستغلال وسلب القدرات والموارد الطبيعية والبشرية.

بلغة الأرقام تشير احصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وبعض المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة الى ان الوطن العربي يسهم بـ 31 بالمئة من هجرة الكفاءات، وان 50 بالمئة من الاطباء و23 بالمئة من المهندسين، و15 بالمئة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يتوجهون الى أوروبا والولايات المتحدة الامريكية وكندا، وان 54 بالمئة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون الى بلدانهم. مما أدى الى تكبد الأقطار العربية خسائر جسيمة جراء هجرة العقول بلغت أكثر من 300 مليار دولار في الوقت الحاضر، وهي خسارة غير منظورة في اقتصادات هذه البلدان.

لا جدل في ان الوطن العربي منذ زمن بعيد تعرّض لاستنزاف في طاقاته المادية والاقتصادية والاجتماعية، وهو استنزاف أضعف حركة المجتمع وديناميكيته، ومزق كياناته الاجتماعية والثقافية، وعطل تطوير العقل وتنمية العلم والانسان. فهذا الاستنزاف لم يكن معزولاً عن التفكير الغيبي أو السلطوي الاستبدادي الذي تحكم في ثقافة المكان والزمان، وأدى الى شيوع ثقافة اللامبالاة اتجاه ظواهر الحياة. بمعنى ان خسارة المجتمع من جراء الاستنزاف المجتمعي، ما كان يحدث لولا تخلف المنظومة السياسية العربية، ومؤسسات المجتمع وركودها، وعدم فعاليتها في ادارة الازمات بأنواعها، واستشرافها للمستقبل.

دون شك إن هجرة العقول أضعفت المؤسسات العلمية والأكاديمية ومراكز البحث العلمي، وأصبحت الجامعات العربية تعاني خللا في ندرة التخصصات العلمية، وتدهوراً في البحث العلمي، حيث معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على 0,002 بالمئة سنويا من الدخل القومي، يقابله تخلف وعجز وتدهور تنموي واقتصادي، وإخفاق علمي وتكنولوجي، ومشكلات معيشية، وضعف مستوى الأجور والرواتب التي يتقاضاها الباحثون والعلماء.

عراقيا، مثلما تم اقتلاع جذور التقدم والتحضر من البيئة العراقية، وتهديم مدن العراق وتحويلها الى مدن كوراث ونكبات وازمات ومزارع موت ومخدرات وفقر وجهل، فأنه تم اقتلاع العقل العراقي العلمي اقتلاعا جذريا، واستبدال بعقل الجهل والفساد، حتى كدنا نصدق ما يقال بأن هذا الوطن صاحب الحضارات سيمحى من خارطة الأوطان! لهذا السبب أدار أعمدة الفكر والثقافة في العراق ظهورهم للدولة والمجتمع، إما عن طريق البحث عن فضائل العزلة أو عن طريق البحث عن فضائل الغربة، في ظل غياب الرموز الحضارية والفكرية عن عقل صانع القرار السياسي.

أشعر بأسى حقيقي، مثلما يشعر علماء البلد ومثقفيه، كيف تم صفي الآف العلماء والكفاءات والخبرات بالقتل والاعتقال، وكيف استنزفت العقول العلمية بالترويع والتهجير القسري تحت بنود الطائفية وحرية التفكير والرأي والرأي الآخر، او من خلال استبدال العقول الجاهلة بالعقول المبدعة باسم المحاصصة الحزبية وسرطان الطائفية والقبلية ليضعوا (قفلاً)على الوطن.

مختصر القول، أن نزف الادمغة العراقية مازال مستمرا بطريقة مرعبة، خاصة بعد كوراث الوطن حيث تهجير العلم وتوطين الجهل، ليبقى الوطن في غرف الإنعاش بانتظار موت الالاف من العلماء والمبدعين وصناع الحرف والحياة.

يالكارثة الأوطان عندما يحكمها حاكم محكوم بالفاسدين والجاهلين، بينما ملايين من علماء البلد ومثقفيه ومبدعيه ينتشرون في بقاع الارض، يبحثون عن الملاذ الآمن، وعقولهم العراقية المبدعة مؤجرة لأوطان أخرى.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق