في كل عام وعند حلول شهر رمضان المبارك، تتبارى أقلام الكتاب والصحفيين والإعلاميين في نقد ما يقدم من دراما تلفزيونية، محليا على مستوى قنوات البلد الواحد التلفازية، وعربيا على مستوى القنوات الفضائية المتعددة ذات التمويل الخاص.

وتلك الأقلام في انشغالاتها النقدية لما يقدم خلال هذا الشهر، لا تعود معنية بما يقدم بقية الشهور، اما لأنها تكون منشغلة عن المتابعة، او ان النقد حينها لا يعنيها، أي انها تخلى عن وظيفتها ورسالتها في المجتمع.

الاحد عشرا شهرا المتبقية من السنة، والتي اراها هي الباعث على انتاج تلك الدراما وتصويرها لواقعنا بكل عوراته وسيئاته، بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا عن طبيعة هذا التصوير، فلنها أيضا تلقى اهتماما كبيرا من لدن الكتاب والصحفيين والإعلاميين، نقدا وتشريحا، وأكثر ما ينصب ذلك على السياسة والسياسيين، على اعتبار الأولى هي التي تصيغ كل مفصل من حياتنا، والثانية هي الفاعلية التي تنقل الحقل الأول من النظرية الى الممارسة والتطبيق.

في الحالتين، حالة النقد الرمضاني، وحالة النقد السياسي، لا ننفك نتساءل: لماذا لم تستطع كل تلك النقود الفنية ان تغير من واقع الدراما، وكل تلك النقود السياسية أن تغير من واقع المجتمع؟

وبعيدا عن هذا الانشغال (النخبوي)، نرى المواطن العادي يمارس عملية النقد السياسي لأوضاعه الحياتية، ولا يشغل همه بالنقد الفني لما يعرض عليه من مواضيع درامية، لأنه عادة ما يكون مستلبا امامها، تمارس عليه صنوف الاستلاب والتنكيل وقولبة وعيه، مثلما يمارس عليه من الطبقة السياسية طيلة أيام السنة (فهي حتى في رمضان لا ترتاح من ممارسة دورها هذا) مزيدا من الاستلاب والتنكيل وقولبة الوعي، عبر ممارسات وتصريحات وظهور اعلامي، لا يترك مفرا من تسرب تأثيره على عقول الغالبية العظمى من التابعين والمتابعين.

يتشابه الوضع العراقي مع أوضاع المجتمعات العربية الأخرى، في صنوف القهر والاستلاب والتي ترافق هذه المجتمعات منذ عقود طويلة، او انها ما توارثته من قرون بعيدة وتعيد انتاجه مرة بعد أخرى.

ورغم كل الجهود، ورغم كل الكتابات لم تستطع تلك المجتمعات ان تصنع واقعا جديدا لها يختلف عن واقعها الذي تتذمر منه، وتطمح لتغييره، وسبب ذلك يعود الى السلوك الفردي الذي يؤلف سلوكا جمعيا من مجموع افراده.

ما الذي يحكم السلوك الفردي؟

(البنية الاجتماعية المتخلفة التي تتخذ على المستوى المعاش نمطا من الوجود، من النظرة اليه والى الذات). التخلف الاجتماعي / مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور / الدكتور مصطفى حجازي).

هذه البنية الاجتماعية هي نتاج خصائص نفسية تتشارك فيها مجتمعاتنا العربية، والعراق منها، وهي ما يسميه الدكتور مصطفى حجازي (الخصائص النفسية للتخلف) حيث يعيش الانسان المقهور في عالم من العنف المفروض. عنف يأتي من الطبيعة التي لا يستطيع لها ردا، والتي تشكل تهديدا فعليا لقوته وامنه وصحته (الجفاف، الفيضانات، الحريق، الامراض والاوبئة، الحروب، الآفات الزراعية) وغير ذلك.

يضاف الى ذلك قهر من نوع اخر، قهر انساني. فالإنسان المتخلف، هو في النهاية الانسان المقهور امام القوة التي يفرضها السيد عليه، او المتسلط، او الحاكم المستبد، او رجل البوليس، او المالك الذي يتحكم بقوته، او الموظف الذي يبدو وكانه يملك العطاء او المنع.

تتمظهر الخصائص النفسية للتخلف عبر الكثير من الظواهر مثل : (عقدة النقص – عقدة العار – تخلف الذهنية) ويلجأ الانسان المقهور في هذه المجتمعات الى عدد من الأساليب الدفاعية مثل ( الانكفاء على الذات ، من خلال التمسك بالتقليد والرجوع الى الماضي، والذوبان في الجماعة والعلاقة الدمجية التي تمثلها العشيرة، والوضعية الاتكالية).

ثم الأخطر من ذلك، هو التماهي بالمتسلط من عدة وجوه، منها التماهي بأحكام المتسلط وبعدوانه، وبقيمه، وبأسلوب حياته.

هذا التماهي والذي نراه ونلمسه في الكثير من سلوكنا كأفراد داخل المجتمع، وعلاقات التغالب والانتهازية والاكاذيب التي نسوقها لأنفسنا وللأخرين، هي ما تجعل من الطبقة السياسية شبيها لنا، ونحن أيضا نشبهها ونكاد نتطابق معها في كل سلوكياتها التي نرفضها في العلن.

(على نحو منهجي ومبرمج تقوم الأطراف المعنية، والمؤسسات، والمجتمعات، ببلورة الشر وصوغه. ومن المفارقات انها – الأطراف، والمؤسسات، والمجتمعات – تفعل ماتفعله طلبا للخير وبحثا عنه). معاني الحياة الاجتماعية / جفري الكسندر.

وكثيرون من العراقيين يعتقدون ان الانتخابات، كآلية من الاليات الديمقراطية هي الكفيلة بهذا التغيير، تغيير تلك الطبقة المذمومة والمتسلطة والقاهرة والفاسدة، وهم في تجاربهم السابقة يكتشفون بعد صعود طبقة جديدة بأسمائها وعناوينها، ان الشبه لازال متطابقا مع الطبقة السياسية السابقة، لانهم في الحقيقة انتخبوا اشباها لهم، ويكونوا من حيث يشعرون او لا يشعرون، قد ساهموا بإعادة انتاج ما أرادوا التخلص منه.

وهو ما يشير اليه الباحث الموريتاني الدكتور بدي ابنو بقوله (لا يتعلق أمر تجديد الطبقة السياسية بأشخاص أو بالمواقع التي يحتلها أشخاص من حيث همْ همْ ولكن يتعلق بعقليات ما تزال مسيطرة والجميع ما زال يساهم في تكريسها بما في ذلك ضحايا هذه العقليات أنفسهم. كل تغيير هرمي فوقي لا يمكن أن ينجح. تلزم دينامية شعبية تفرض نفسها بنفسها، تفرض نفسها على الكل بما في ذلك الأحزاب القائمة. " (نواكشوط أنفو، 15 فبراير 2006 العدد 927 ).

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0