يمثل العراق البعد الاستراتيجي نفسه لدى مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين، خاصة إيران والولايات المتحدة، ويعبر عن ذلك حجم التفاعلات والتدفقات بينهما وواقعها المادي المتزايد. يعد العراق ساحة تقاطع وصراع تأريخي، لأهداف استراتيجية للقوى المتصارعة، للتحكم والسيطرة ولتعزيز النفوذ والمكانة في سلم القوة الدولي.

ويمكن وصف العراق بأنه قلب العالم أو مفتاحه، فالسيطرة عليه تعني التحكم بعُقد الاتصالات والمواصلات العالمية، ووضع اليد على خزان طاقوي كبير، فضلاً عن التحكم بخطوط النقل بين قارات العالم القديم، البحرية، الجوية والبرية.

ان قدرات العراق الكبيرة ستزيد من تأكيد أهميته الاستراتيجية للفواعل الدولية، ما يعزز من حدة الصراع فيه ويعظم شوكته، ضعف الهوية الوطنية لنخبه السياسة، وخواء الوعي السياسي الشعبي، وحالة الانقسام الذي يعانيه بفعل ترسبات تاريخية ونفسية، خلقت هويات فرعية متعددة حالت دون تبلور هوية وطنية جامعة.

ويتمتع العراق بواجهات جيوسياسية، جيواستراتيجية، جيوثقافية، حضارية، وجيوسكانية تسمح له بالتعامل والتحرك على عدة واجهات إقليمية ودولية. وقد انتبهت بريطانيا لهذه الميزة، إذ مثل العراق في التاريخ إمبراطورية أو إمبراطوريات عظيمة، كما مثل مركز للعاصمة الإسلامية في عهد الإمام علي ابن أبي طالب، مما حدا بها ابتسار جغرافيته البحرية والبرية، وتضييق إطلالته البحرية عبر الخليج العربي ومنه الى بحر العرب وبقية الأحواض المائية المهمة في العالم.

كما تدرك إيران عمق العراق الاستراتيجي، وسعت عبر مراحل تاريخية لاحتلاله أو السيطرة عليه أو الحد من نفوذه. تعتبر العراق جسر عبور نحو الإقليمية والعالمية، فالعراق بموقعه المجاور لسوريا يعني لها التواجد في المتوسط، البحر الذي يربط بقع العالم القديم الثلاث، ويربط بين أهم الممرات المائية حول العالم، ومنجم طاقوي كبير، وموارد، كما يمكن لها التواجد قبالة الكيان الصهيوني ودعم حلفاءها في لبنان وفلسطين، وتكون أكثر قرباً من مصر والبحر الأحمر، خاصة بعد تعزيز نفوذها في اليمن. أيضاً حصارها لتركيا في اكثر من جبهة (سوريا، العراق). يجعل ذلك كله في مسلسل تفاعلات إيران قوة فاعلة ومؤثرة في السياسيتين الإقليمية والدولية، يزيده دفعاً البعد النفسي والتاريخي للإمبراطورية الفارسية القديمة.

لقد انطلق ماكندر أحد مؤسسي المدرسة الجغرافية في بريطانيا في محاضرته بعنوان الارتكاز الجغرافي للتأريخ. والتي أصبحت فيما بعد نظريته التي صاغها بفكرة القلب الأرضي، أن قارات العالم القديم (أوربا، آسيا، أفريقيا) تشكل كتلة أرضية ضخمة ومتصلة اتصالاً برياً متكاملاً، أسماها جزيرة العالم وهي تمثل مفتاح الجزيرة العالمية ومركز الثقل المؤثر فيها وهي تشمل مناطق واسعة من أوربا، آسيا ومن يتحكم بقلب الأرض يتحكم في العالم.

ثم جاءت الماكندرية الجديدة لمستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق برجنسكي وهي امتداد لنظرية ماكندر البرية (إن السيطرة العالمية للولايات المتحدة تبقى مفتوحة وغير مكتملة ما لم تعززها بالسيطرة على منطقة أوراسيا التي هي بمثابة الفراغ الجيواستراتيجي المتمم لسيطرتها العالمية إذا ما توفرت شروط إملاء الفراغ. افترض برجنسكي أن ما تواجهه الولايات المتحدة من تحديات في إدارتها للعالم يأتي في مقدمتها أوراسيا، القارة الأكبر في العالم، وهي محور الحركة الجيوبوليتيكية ومركز الاهتمامات الجيواستراتيجية، وأن القوة التي تتحكم بأوراسيا تستطيع أن تسيطر على إثنين من مناطق العالم الثلاث الأكثر تقدماً والأوفر في مجال الإنتاجية الاقتصادية وهي آسيا واوربا.

وتكفي نظرة واحدة إلى الخارطة إلى اكتشاف إن بسط السيطرة على اوربا سيتبعه أوتوماتيكياً إخضاع أفريقيا. على الرغم من أهمية فروضات كل ما كندر وبرجنسكي، وإذ انطلق الأول من منطلقات جيوبوليتكية والثاني من منطلقات جيوسياسية، إلا إن كل من الفرضيتين لم تثبت واقعيتها بشكل دقيق وحاسم، وللتدليل على صحة فرضنا، فقد احتلت الولايات المتحدة العراق لتتم إغلاق سلسلة الهيمنة، فالعراق كان بمثابة حلقة إغلاق لهذه السلسة المفتوحة، تمثل دائريتها إكمال لطوق الهيمنة وفرض النفوذ العالمي.

ما عطل مشروع التفرد الأمريكي، تصاعد الدور الإيراني، داخل العراق وإقليم الشرق الأوسط، كما مثلت الأزمة السورية، وسوء إدارتها من الجانب الأمريكي، وتعاظم الشأن الروسي وتدخله المباشر في هذه الأزمة، ووقوف الصين الى جانب كل من ايران وروسيا وممارستها مع الثانية استخدام سلطة النقض في مجلس الأمن ضد مشاريع الولايات المتحدة. وتعمل إيران جاهدة لإخراج القوات الأمريكية من العراق، عبر وسائل سياسية وعسكرية، في الوقت الذي تسعى الولايات المتحدة لإطالة أمد البقاء، وإن كان عبر أطر قانونية وسياسية، وعبر اتفاقيات ثنائية مع العراق بشأن قواعدها العسكرية.

وليس من اليسير حسم الصراع بين اللاعبين في الساحة العراقية، فالصراع في المسائل الاستراتيجية صعب ومعقد للغاية، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار، التحولات الأخيرة في الداخل الإيراني بوصول رئيس محافظ، أو كما يسميه خصومه بالمتشدد بمواقفه إزاء الولايات المتحدة وهو السيد رئيسي، والذي بدأ خطابه الأول بعد إعلان فوزه (على الولايات المتحدة رفع الحصار عن بلاده فوراً والعودة الى الاتفاق النووي...)، والتخوف الصهيوني من ذلك، إذ عبر الكيان عن قلقه سريعاً بإرسال رئيس أركانه أفيف كوخافي الى الولايات المتحدة، فضلاً عن ضبابية المشهد التفاوضي في فينا حيال برنامج ايران النووي، هذه العوامل المساعدة أو مغذيات الصراع وتعميقه، قد تصعد من هذا الصراع الى ذروته، في حرب قد تكون سريعة وقصيرة بفعل طبيعة الأسلحة ونوعها، بيد أنه من المؤكد أنها سترسم ملامح جديدة في العراق، قد لا تكون الأفضل مما عليه الآن، لكنها حتماً ستكون بشكل مغاير ومختلف.

تبقى فاعلية النخب السياسية في بلورة موقف وطني موحد من عدمه، الحد الفاصل والأبرز في طبيعية الأوضاع القادمة، كما سوف يبقى العراق محط تنافس أو صراع بين القوى العالمية التقليدية والقوى الصاعدة في سلم القوة.

* تخصص: علاقات دولية/دبلوماسية

اضف تعليق