ساقتني احدى الصدف الى المرور بجانب طابور بشري منقسم الى نصفين من النساء والرجال، من بين الواقفين بمحاذاة جدار دائرة حكومية كبار سن، يلوذون واحدا بالآخر من حرارة الشمس في صيف لاهب، لفت انتباهي أحد المراجعين الذي اخذ العرق ينساب على خده مختفيا عند لحيته البيضاء.

اقتربت من أحدهم وبانت على ملامحه آثار الغضب والانفعال، سألته لماذا هذا الاصطفاف الطويل؟، ويبدو انه قضى أكثر من ساعة يترقب فتح النافذة من قبل الموظف المعني بسحب الملف والتهميش عليه ليبدأ برحلته الطويلة والمعقدة في كل الأحوال، وبعد تنهيد اجاب بعبارة تثير السخرية وتوضح مدى الاستياء من الانتظار، "بعده المحروس يتريك".

ما لاحظته عن طريق الصدفة لم يكن مشهدا عابرا، بل أصبح ظاهرة منتشرة في اغلب الدوائر الحكومية، اذ تنتظر اعداد غفيرة من المراجعين على أبواب الدوائر يوميا، لحين يأذن لهم الموظف بالدخول وتسليم معاملاتهم البسيطة والمعقدة قليلا.

وان فتح الباب بوجوههم متأخرا يسمعهم الكثير من عبارات الاستياء وعدم الرضى وكأنه متفضل عليهم، ويعمل بصورة تطوعية ولم يكن مجيئه من قبل جهات حكومية كلفته بتقديم الخدمة للمواطنين مقابل مرتب شهري، فتجده متذمرا ناقما على الجميع الذين أفسدوا عليه يومه، وقطعوا سلسلة اهتماماته البعيدة عن هموم المواطنين.

الآن صار لدي فضول لمعرفة إجابة العديد من الأسئلة حول الموظف الكسول الذي لا ينجز مهامه المطلوبة، اول هذه التساؤلات هو هل كان الموظف كسولا قبل الالتحاق بالوظيفة الحكومية؟، ام ان هذه الخصلة اكتسبها بفعل ما موجود في الدوائر الحكومية من عدم متابعة للموظفين ومحاسبتهم بشكل دوري او شبه يومي؟

إذا كانت هذه الصفة حديثة العهد أي بعد التعيين على ملاك الدولة فيجب البحث عن الأسباب التي قادت الى هذا الكسل وجعله الصفة المميزة او الطاغية على عمل معظم الموظفين في الدوائر الحكومية، ومن باب الانصاف فهذا لا يعني خلاء الساحة من الموظفين الغيورين على وطنهم وحريصين على تأدية واجباتهم بأتم صورة وأكمل وجه بوقت قياسي.

ولا يتحمل الموظف ذو الكفاءة والإنتاجية المخفضة المسؤولية وحده، بل يشاركه التقصير مدير الدائرة الذي لم يتخذ بحقه الإجراءات القانونية الرادعة والتي توقفه عن التمادي بهذا النهج والسلوك غير الأخلاقي، والمنافي للتعاليم السماوية والعرفية المتبعة في النظام الاجتماعي.

لو أردنا نعتبر ظاهرة الكسل من الامراض المعدية، فانه سيؤثر على بقية الموظفين، فالموظف المتقاعس، من الطبيعي ان يعمل على تكوين مجموعة يندمج معها لتحمي تصرفاته ويضمن عدم محاسبته، كأن يكوّن علاقة طيبة مع مسؤوله المباشر وبالتالي يغض النظر عنه ويتجاوز اخطاءه.

ويبقى المواطن وحده الضحية مالم يكون مدير الدائرة متابعا ودقيقا في مراقبة ما يدور في أروقة مؤسسته، الى جانب ذلك يجب ان تكون لدية القابلية على التعامل مع هذه النوعية من الموظفين الكسولين، والبحث عن طرق كفيلة بان تكون علاج لهذا النمط من العاملين بدوائر الدولة.

من الأشياء التي يخشى المدراء والمسئولين التعامل معها هو نمط الموظف الكسول، الذي يشكل عبء على الدائرة او العمل برمته، وفي حقيقة الامر لقد اثبتت العلماء المختصين بالشأن الإداري أنه لا يوجد موظف كسول، لا يوجد موظف منذ البداية يتراخى في عمله ويتغيب بكثرة ويتخلى عن مسئولياته.

بل ما يساعده على الاستمرار في ذلك هو البيئة الرخوة في الضبط، من قبل الجهات العليا في الهرم الوظيفي، او قد يكون غير مقتنعا بموقعه في العمل، لذا يتبع هذه الأساليب للضغط والحصول على مكان آخر يناسب قدراته الذهنية، وطبيعة تخصصه الأكاديمي، وهنا توجب على الإدارة البحث والتقصي عن أسباب المشكلة ومعالجتها، وخلق شعور لديه بالانتماء لهذا المكان واهمية ما يؤديه في عيون مسؤوليه والمواطنين.

كل ما تم طرحه في بداية المقال ولغاية الآن من أسباب قد تكون هي الدافع الحقيقي من وراء كسل الموظف، ان لم تكن صفة ذاتية مترسبة بقرارته، يجب دراستها بتأني ودقه حتى نتمكن من وصول إلى وصفة وخطة علاجية متكاملة تعمل على تحويل هذا الموظف من كسول خامل إلى نشيط ومتفاعل.

اضف تعليق