لو كان القمع والدم وكم الأفواه بنافع، لنفع النظام السابق الذي لم يكن تغييره يراود الناس حتى في الأحلام، فكلما أوغلت الأنظمة بدم الناس اقتربت ساعة النهاية، هذه حقيقة، وان كنتم تشكون فيها راجعوا كتب التاريخ، وليكن معلوما ان هذا الواقع هو ما يريده أعداء العراق، بلد يتراجع، تنمية مفقودة، شعب قلق، يفز من نومه أكثر من مرة، علاقات اجتماعية متوترة، ملامح الغابة بدأت بالتبلور، الكل لا يثق بالكل، شباب يقتل، وبقتله تتوافر أدلة تُخزن في صناديق محكمة تستثمر عند اقتراب لحظة التغيير السياسي، لتعاد تجربة مريرة اخرى بلباس جديد وعناوين مختلفة، وهكذا يظل العراق ملقى على سرير المرض، فهل هناك أجمل من هذا الحال للحالمين بكيان من النيل الى الفرات؟

لا تنتفض الناس بطرا أبدا، ولا تتخلى عن نظام سياسي وفر لها حياة رغيدة، وجعلها تمشي بطولها من دون أن تتلفت، وضمن لها دخولا آمنا للمستقبل، ماذا يريد العراقيون أكثر من ذلك؟ صدقوني انهم قنوعون، ويرضون بالقليل اذا كانوا مؤمنين حقيقة بالنظام ومن يقف ورائه، وستجدونهم سواتر صلدة دفاعا عنه اذا ما ألمت به الخطوب، واذا ما أحيكت حوله المؤامرات، فليس من غال أمام الوطن، وانتم تعرفون العراقيين خير معرفة، فلا أكرم منهم، ولا أشجع، ولا أكثر منهم غيرة على وطنهم، فلديهم من الشمائل ما لا نراه عند غيرهم، لقد جبلوا من طينة مغايرة، لا يخافون الموت، ولا يحنون رؤوسهم لغير الله تعالى، لذلك لا يستحقون ما يجري لهم من نكبات.

يا جماعة الخير: سفك الدماء ليس حلا، ومن كان يظنه طريقا لإدامة النظام، وضمان بقائه في قمة الهرم، او الأكثر نفوذا فهو واهم، او غير عارف بالسياسة وفنونها، او جاهل يتلاعب به الغرباء على حساب أبناء جلدته، فيقنع نفسه بالواهي من الذرائع ليوغل في مستنقعات الدم التي جُل ضحاياها من الشباب المطالبين بفرص عمل، وبلد من الوزن الثقيل يسوده الحب والتسامح وهما أساس المواطنة.

لا يدري عباقرة هذا الزمان أن لا أخطر على نظام الدولة من وقت الفراغ، وعندما يكون الشباب بلا عمل، فتصوروا شكل الفراغ الذي هم فيه، فراغ ليس ساكنا، بل فاعلا، يطغي عليه ما هو سلبي، فلا غرابة أن يتمظهر بسلوكيات لم تكن مألوفة في مجتمعنا كالانتحار وتعاطي المخدرات والسرقات وأشكال العنف المختلفة والاستهانة بالقوانين والأنظمة، وتراجع الذوق العام واللامبالاة في كل شيء مهما كان عظيما.

وبرغم بروز هذه الظواهر الى السطح، بعد ان كانت خفية وبحدود ضيقة، الا ان مساحة الخير مازالت أكبر من الشر بحكم ان قوى الضبط الاجتماعي مازالت فاعلة في الواقع، فالأجيال الحاملة للقيم النبيلة المكتسبة من مدرسة رصينة متداخلة مع الأجيال الجديدة، لكن هذه الكوارث ستتعاظم مع أجيال لم تتوافر على تأهيل ثقافي كاف بسبب التراجع المريع للمؤسسة التربوية، وعدم الجدية في رسم استراتيجيات مبكرة للمواجهة، وأولها اشغال الشباب بالعمل، وتضييق وقت الفراغ.

ومع فراغ متنامي وشباب يتكاثر توقعوا مزيدا من التذمر السياسي المعبر عنه باحتجاجات قد تكون أكثر ضخامة مما حصل في تشرين، وما نخشاه خروجها عن سلميتها، وليس من رابح فيها سوى اولئك الذين يراقبون الحدث عن كثب من خارج الحدود.

الفراغ قاتل، هذا ما سمعناه قديما وتلمسناه راهنا، وكان يُضرب لحالات استثنائية، فلم نعرف للبطالة معنى، ومن لا يعمل يوصف بالمتقاعس، ولا يلقون باللائمة على الحكومة، فالعمل متوافر في كل مكان، بل لا تكفي أيدينا لجنى كل خيرنا، واليوم صار الفراغ ظاهرة، والسياسة أول الحاضرين فيها، فلنفكر كيف نقتل الفراغ قبل قتل الشباب.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق