قبل أيام طلب رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون"، بالتوقف عن تسمية "الدولة الإسلامية" على تنظيم "داعش"، باعتبار ان "هذا التنظيم لا يمثل الديانة الإسلامية أو الشعب المسلم"، ودار هذا الحديث خلال مقابلة مباشرة على القناة الرابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية (BBC)، بعد ان انتقد "كاميرون"، مقدم البرنامج، "جون همفريز" على استخدامه لهذه التسمية خلال توجيه الأسئلة، ما قاله رئيس الوزراء البريطاني كان بسيطا، "إن على البي بي سي أن تتوقف عن إطلاق هذا التسمية، على تنظيم بربري وحشي، لا يمت للإسلام بأية صلة، وأن تحترم مشاعر مستمعيها من المسلمين، وما الذي سيشعرون به عند تكرار هذا اللفظ مرات عديدة يومياً خلال نشرات الإخبار والبرامج الحوارية".

اما اللورد "توني هول"، رئيس هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي)، فقد رفض طلبا توجه به للإذاعة البريطانية، 120 نائبا في البرلمان البريطاني طالبوا فيه الهيئة بالتوقف، أيضا، عن تعريف "داعش" في الاخبار على انها "الدولة الإسلامية"، ونقل عن "هول" سبب رفضه بالقول "إن الأسماء البديلة المقترحة للاستخدام (تحقيرية)، وتحتاج هيئة الإذاعة البريطانية أن تحافظ على (حياديتها)"، لكنه وعد، في الوقت ذاته، ان الهيئة "ستواصل استخدام مصطلحات أخرى مثل (مجموعة الدولة الإسلامية)، لتفريقها عن الدول المعترف بها، وستستخدم الأوصاف الأخرى مثل، (الجماعة المتطرفة) و(المقاتلين المتشددين)، ومن أجل كثرة استخدام (الدولة الإسلامية)، فإننا سنستخدم المختصر (is) بعد ذكر التقرير لاسم المجموعة".

لا اعرف لكن هذه الخلاف الإعلامي الكبير، الذي يجري الان، لم يكن بين المسلمين والغرب (إعلاميا)، بل هو خلاف بين الاعلام الغربي والحكومات الغربية نفسها، وهو ما اعاد للذاكرة خلافا إعلاميا ودينيا وسياسيا اخر، جرى قبل مدة من الزمن، بعد الجدل حول نشر الرسوم المسيئة للرسول محمد (ص)، وما تعلق بها من خلاف بين كلمتي (الحيادية) في نقل الاخبار و(التحقير) بنقل هذه الرسوم المسيئة لطائفة كبيرة من المسلمين حول العالم، وكان العنوان الذي جمع هاتين الكلمتين هو (حرية التعبير).

الحكومة البريطانية انتبهت في نهاية المطاف، ان استخدام أي كلمة او إشارة إعلامية يمكن ان تفهم على انها تعظيم وتضخيم لتنظيم "داعش" سوف تؤدي في نهاية المطاف الى زيادة التعاطف مع التنظيم من جهة، وزيادة الكرة الغربي عموما والبريطاني خصوصا لكل شيء يرتبط بمفهوم "الدولة الإسلامية" بما في ذلك مسلمو اوربا، ما يعني المزيد من الكراهية واعمال العنف التي قد تهدد في نهاية الامر نسيج المجتمع البريطاني، متعدد الطوائف والأديان والمذاهب وربما لم تأتي هذه القناعة الرسمية، الا بعد ارتفاع اعداد المهاجرين من مواطنيها الى سوريا والعراق، للانضمام في صفوف التنظيم، وكان اخرها 15 عشر فرد من عائلة واحدة، إضافة الى الاعتداء الإرهابي الأخير في تونس، والذي كان لحصة بريطانيا نصيب الأسد منه، ربما هذه الأسباب هو ما دفع صانع القرار البريطاني للتفكير مرة أخرى في كيفية التعامل مع "داعش" إعلاميا، على الرغم من كون بريطانيا من اشد المؤيدين لحرية التعبير عن الرأي خصوصا عندما يتعلق الامر بنشر الرسوم المسيئة للنبي "محمد" (ص)، من دون الالتفات الى ما سببته من ردود أفعال سلبية صبت بصورة غير مباشرة في مصلحة التنظيمات المتطرفة.

نقلت صحيفة "التايمز" البريطانية عن مدير "بي بي سي" طرفة أخرى، مفادها إن "المختصر بالعربية (داعش) ليس اسم التنظيم الحقيقي، وهو لقب تحقيري لم يطلقه على نفسه، ولكنه نحت من أعدائه، مثل الداعمين للأسد ومعارضيه الأخرين في سوريا"، ونقلت الصحيفة عن المترجمة الخاصة للهيئة، من اللغة العربية للإنجليزية، "أليس غاثري" قولها ان "تنظيم الدولة (يكره) من يستخدم هذا اللقب (داعش)، لأن داعش يشبه صوت (داعس) أي من سحق وديس عليه بالأقدام، ويبدو ان هيئة الإذاعة البريطانية تحاول (انصاف) تنظيم "داعش" إعلاميا، حتى لا يخيل لمن يقرأ اخبارها او تقاريرها ان (الدولة الإسلامية) أصبحت (داعش) او (داعس) تحت الاقدام... وهو ما يتعارض مع (الحيادية) التي تتصف بها "بي بي سي".

لا اعتقد ان مؤسسة عريقة ومؤثرة في الوسط الإعلامي العالمي مثل "بي بي سي" قد تقع في مطب "داعش" الإعلامي بدعوى الحيادية.

فأي حيادية تصور جماعة "بربرية" على انها "دولة" و"إسلامية ويتم التسويق الإعلامي لها، على هذا الأساس، عالميا وبصفة مجانية.

واي حيادية تتحدث عنها "البي بي سي" وهي تميل في تغطياتها اليومية لصالح الاسم الذي يرغب فيه التنظيم الإرهابي (الدولة الإسلامية) ، ولا تميل للاسم الذي يطلقه عليه اغلب الحكومات التي تحارب التنظيم، والشعوب التي تضررت منه (داعش)، بحجة ان فيه "تحقير" للتنظيم.

واي حيادية قد تجر تبعات (الكراهية، العنف، العنصرية، الخوف)، داخل المجتمعات الغربية، من المسلمين او عليهم وهم يقارنون بين (الدولة الإسلامية)، التي تروج لها، بي بي سي، وبين المسلمين الذين يعيشون بينهم وداخل مجتمعاتهم كيف سيكون التعامل، والتعايش، والانسجام، فيما بينهم ونحن نصب الزيت على النار إعلاميا.

من الانصاف ان نقول ان قرار "هيئة الإذاعة البريطانية"، أنصف تنظيم (الدولة الإسلامية) وخذل الغرب والمسلمين وضحايا (داعش) من جميع الأقليات حول العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0