بقلم: ريكاردو هوسمان

كامبريدج- ان من الممكن ان يتقدم الاقتصاد بشكل كبير جدا لو استطاع تخفيف أحد اهم افتراضاته: الفردية المنهجية أو فكرة ان أي تفسير يجب ان يكون مرتبطا بأفراد يقومون باتخاذ قرارات منطقية وهذا المتطلب يضع الاقتصاد في وضع غير موات مقارنة بالعلوم الطبيعية وذلك نظرا لأنه يمنع تحقيق تقدم في فهم العلاقة بين الجزئي والكلي.

تشرح الفيزياء كل اشكال السلوك من خلال افتراض وجود بعض القوانين الأساسية على المستوى الجزئي. تؤدي الكواركات الى ظهور البروتونات والنيوترونات والتي تولد مع الالكترونات الذرات وهذا يؤدي بدوره الى ظهور الجزئيات والجزئيات الكلية مثل الحمض النووي والجينات والبروتينات وهذه تنتج خلايا وكائنات متعددة الخلايا وأنظمة بيئية كاملة تعيش في كوكب يدور حول الشمس علما انه من الناحية النظرية يجب ان يكون المرء قادرا على شرح كل هذا من خلال الرجوع الى القوانين الأساسية لفيزياء الجسيمات. أما من الناحية العملية فإن هذا ليس مستحيلا فحسب بل انه غير ضروري مما يسهل من احراز تقدم.

نحن نعرف عن كل تلك المستويات لإن العلماء اطلعوا عليها ووصفوها باستخدام أكبر قدر ممكن من التفاصيل مما مكّن العلماء الاخرين من تفسيرها على أساس محددات المستوى الأدنى حيث يمكن ان ترتبط كل طبقة بطريقة او بأخرى بالطبقة الأدنى وصولا الى الكواركات والالكترونات.

بينما العودة خطوة واحدة للوراء ليس امرا سهلا ولكنه عادة ما يكون ممكنا، فإن المضي قدما حتى خطوة واحدة قد يكون صعبا. يمكننا إيجاد تسلسل الاحماض الامينية لبروتين من الجين الذين يرمز اليه، لكننا ما نزال غير قادرين على تحديد الشكل ثلاثي الابعاد الذي سيتخذه البروتين وهو امر أساسي لتحديد وظيفته.

ان ما يجعل الأمور أكثر صعوبة وجود ظاهرة تعرف بالنشوء حيث لا توجد خاصية من المستوى التالي في الخطوة السابقة فعلى سبيل المثال فإن الماس والجرافين يتمتعان بخصائص مختلفة تماما ولكنها متطابقان من الناحية الكيمائية. تؤدي الخلايا العصبية الى تشكل الوعي ولكن فقط على مستوى ملايين الخلايا العصبية الشبكية حيث لا يمكننا ابدا تخمين ذلك من خلال النظر داخل الخلية العصبية.

قارن ذلك بالاقتصاد اليوم فالفردية المنهجية تتطلب ان جميع الظواهر سيتم تفسيرها في نهاية المطاف على أساس قيام الافراد باتخاذ قرارات لديهم أسباب منطقية لاتخاذها. ان دراسة الانتظام في البيانات الاجمالية – والذي كان يميز الاقتصاد الكلي قبل سبعينيات القرن الماضي- لا تثير الاهتمام إذا لم يكن بالإمكان دراسة ذلك الانتظام على أساس السلوك الفردي العقلاني.

كما يجادل الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد روبرت لوكاس بإن الحكومات لا تستطيع ان تكون واثقة بإن ذلك الانتظام في البيانات سيكون مستقرا لو بنت سياساتها على أساسها وذلك نظرا لان الافراد يستجيبون لتلك الإجراءات بطرق قد تقوض انتظام البيانات. ان البيانات قد توحي بوجود مقايضة بين التضخم والبطالة ولكن لو حاولت الحكومات ان "تشتري" بطالة اقل من خلال زيادة بسيطة في التضخم، سيقوم الناس بتغيير توقعاتهم المرتبطة بالتضخم بأساليب ستجعل التجربة بأكملها لا جدوى منها.

وهكذا فإن مهنة الاقتصاد طورت نماذج بأسس قوية تتعلق بالاقتصاد الجزئي ترتكز على قيام الافراد باتخاذ قرارات منطقية والاستجابة الى حوافز مفهومه جيدا، ومن اجل احراز تقدم مع الالتزام بتلك المتطلبات، اضطر الاقتصاديون لتبسيط او تخفيف طبقات التفاعل بين الفرد والنتائج الاجمالية التي كانوا يحاولون تفسيرها. ان احدى الطرق الشائعة للقيام بذلك هو افتراض ان جميع الافراد متطابقون أو انهم غير متجانسين بطرق يمكن التنبؤ بها، ولكن ان تطلب ان تكون جميع التفسيرات الاقتصادية مبنية على أساس السلوك الفردي تشبه محاولة تفسير ظاهرة الاحتباس الحراري من خلال الفيزياء الكمية.

لحسن الحظ فإن هذه المقاربة المنهجية تتداعى فعلى المستوى الجزئي فإن الاقتصاد السلوكي قد أثر سلبا على الايمان بافتراض العقلانية الفردية وفي سلسة من الأبحاث اظهر خافير غابايكس من جامعة هارفارد ان جميع المبادئ الأساسية للاقتصاد الجزئي والكلي تتغير كثيرا لو افترضنا ان هناك حدود لمنطقية الافراد وبالمثل يجادل زميل غابايكس في هارفارد جوزيف هنريخ ان الطريقة التي يتخذ الناس القرارات على أساسها ليست عالمية ولكنها تعتمد على ثقافة مجتمع ما.

ان الأهم من ذلك هو مسألة الانتقال من الافراد الذين يتخذون القرار الى المستوى الكلي. اظهر الخبير الاقتصادي الراحل والموهوب جدا من جامعة هارفارد ايمانويل فارهي والذي كان يعمل مع ديفيد باقي من جامعة كالفورنيا في لوس انجلوس اننا بحاجة الى النظر في هيكل المدخلات والمخرجات (التي لم يتم تفسيرها) للإنتاج من اجل فهم تقلبات الاقتصاد الكلي حيث لا يمكن اشتقاقها فقط من الوكلاء الممثلين من الافراد.

بالمثل فإن بول انراس من جامعة هارفارد (مع مؤلفين مشاركين) كان يقوم مؤخرا بإعادة تشكيل نظرية التجارة الدولية من خلال افتراض ان العالم يتم تنظيمه من خلال سلاسل القيمة العالمية بدلا من الأسواق القياسية. ان هذا الافتراض الذي يبدو بسيطا يصنع في واقع الامر اختلافات كبيرة من حيث النظرية ومن حيث الآثار المترتبة على السياسة التجارية ونحن بالكاد بدأنا نفهم ما الذي يعنيه ذلك على ارض الواقع وذلك نظرا لأنه حتى الان لم نكلف أنفسنا عناء جمع البيانات المطلوبة على مستوى الشركات.

من هذا المنظور تبدو النظرية الكلاسيكية الجديدة للنمو الاقتصادي غريبة حيث تتمثل مساهمتها الرئيسية على حد تعبير الحائز على جائزة نوبل الاقتصادي بول رومر في اظهار مدى صعوبة تأسيس النمو طويل المدى من الناحية النظرية وللأسف كانت النظرية الكلاسيكية الجديدة عديمة الجدوى لأي غرض عملي وذلك نظرا لإنها بالأساس تتجاهل وبشكل صريح الهياكل الوسيطة الموجودة بين الافراد والنتائج الاقتصادية الاجمالية.

لحسن الحظ حاول بعض الباحثين الكشف عن تلك الهياكل الوسيطة باستخدام البيانات الضخمة مع علوم الشبكة وغيرها من التقنيات فعلى سبيل المثال حددوا الهياكل المعقدة لتكامل المهارات وانماط الارتباط داخل وعبر الصناعات وفئات التكنولوجيا والمجالات العلمية.

تظهر تلك الدراسات ان الهياكل الوسطية مهمة لكيفية نمو المدن والبلدان وكيفية تطور التقنيات ونظرا للعقيدة التقليدية الحالية فإن هذه الأوراق البحثية لا يمكن نشرها في المجلات الدورية الاقتصادية وذلك لإنها لا تستطيع ان تظهر كيف ترتبط تلك الهياكل بأفراد يتخذون القرارات في ظل قيود ،لكن تم نشر تلك الاوراق في مجلات دورية علمية مرموقة مثل نايتشر آند ساينز بالإضافة الى المجلة الدورية جورنال اوف اوربان ايكونوميكس وريسيرش بوليسي ونتيجة لذلك يمكن للباحثين الاخرين طرح أسئلة حول نشوء تلك الهياكل الوسيطة من اتخاذ القرارات الفردية على سبيل المثال.

في العقود الأخيرة انتقل الاقتصاد من تعريف نفسه من خلال الأسئلة التي يطرحها الى تعريف نفسه من خلال الطرق التي يستخدمها ومن خلال حصر مقاربته بالفردية المنهجية فإن الاقتصاد يكون بذلك قد ساهم في تقويض تقدمه.

* ريكاردو هوسمان، وزير التخطيط السابق لفنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية هارفارد كينيدي، ومدير مختبر النمو بجامعة هارفارد.
https://www.project-syndicate.org

............................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق