تشهد منطقة الشرق الأوسط عموماُ تعقيدات هائلة وتصاعد في حدة أزماتها المتنوعة، دون التوصل لحلول تجعل المنطقة بعيدة عن الصراعات والحروب بالإصالة أو الوكالة، ولم تزل المنطقة العربية مسرحاً لصراعات إقليمية ودولية، ما يهدد أمن وسلامة ووحدة الكثير من دولها، كاليمن وليبيا وبعض دول الخليج العربي والعراق.

وما فتأت دول إقليمية ذات نفوذ، كتركيا وإيران تخوض تنافسات وصراعات حادة فيما بينها، ومع غيرها من القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في المنطقة العربية، تحقيقاً لمشاريعها التوسعية التي تصب في إعادة إحياء ارثها الإمبراطوري، وتحقيق مصالحها العليا، وزيادة تأثيرها في التفاعلات الإقليمية والعالمية بغية إشراكها في صنع القرارات الدولية.

ويتمظهر ذلك التنافس والصراع في أزمات عدة منها، أزمة الملف النووي الإيراني والحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران، والتهديدات الإسرائيلية بقصف المفاعلات النووية الإيرانية، والأزمة السورية، وأزمة صواريخ S-400 الروسية المقدمة إلى تركيا، والأزمة التركية-الأوربية في حوض المتوسط، والتدخل التركي في ليبيا، والموقف الفرنسي المضاد منه، فضلاً عن الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وكل من الصين والاتحاد الروسي، وما تعانيه الولايات المتحدة من انقسام في بعديه السياسي والمجتمعي بعد فوز الرئيس الديمقراطي جوزيف بايدن، واتهام الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب الديمقراطيين بتزوير الانتخابات، وما تبعها من اقتحام الكونغرس الأمريكي من قبل أنصاره، وما أعقبها من محاكمة له في الكابيتول بتهمة التحريض .

ويشتد الصراع الأمريكي الصيني ضراوة في ظل تفشي جائحة كورونا في الولايات المتحدة وما آلت إليه الأوضاع من عجز لمؤسساتها الصحية من احتواءه أو الحد من تداعياته التي جعلت منها اكثر الدول ، من حيث عدد الإصابات والوفيات ، وما استتبعه من انكماش حاد في اقتصادها، وهذا أيضاً ما تعرضت له معظم الدول الغربية الكبرى كالمملكة المتحدة، في الوقت الذي تتنامى قدرات الاقتصاد الصيني الهادفة إلى التفوق على قدرات الولايات المتحدة، والتي تعاني أيضاً من أزمات مع حلفاءها الأوربيين، كانعكاس لسياسة دونالد ترامب الذي رفع شعار أمريكا أولاً، إذ يتطلب منها إعادة تحالفها مع الإتحاد الأوروبي وتعزيز ثقته بها، وتنشيط دورها في حلف شمال الأطلسي، بغية استرجاع لدورها في قيادة العالم ومواجهة كل الإتحاد الروسي والصين، ودورهما المتصاعد في مناطق كانت تعد مناطق نفوذ أمريكي غربي، وهذا ما عمل عليه، ويعمل الرئيس جو بايدن، من خلال ما اعلنه في مؤتمر المناخ المنعقد في باريس، بعد عودة بلاده لهذه الاتفاقية التي انسحب منها سلفه.

إن هذه الأزمات والصراعات الدولية والإقليمية لها انعكاسات مباشرة على الوضع السياسي في العراق بما يهدد أمنه وسلامته ووحدة أراضيه، ومما يسهم في زيادة الآثار السلبية لهذه المخاطر، ما يعانيه العراق من أوضاع سياسية، وأمنية وصحية معقدة، لاسيما بعد أن تصدر العراق الدول العربية في عدد الإصابات والوفيات بكوفيد-19 المتحور وعجز مؤسساته الصحية عن مواجهته، وفشلها عن توفير أي لقاح لهذا الوباء القاتل حتى نهاية شباط 2021.

أما على الصعيدين السياسي والأمني فقد عاشت البلاد جملة أحداث لها تداعيات مكلفة إذا ما تم الإعراض عنها أو التهاون في إيجاد حلول حقيقة لها، وهي:

أولاً- عودة الهجمات الصاروخية على القوات والمقرات الدبلوماسية الأمريكية، وتمثل ذلك في الهجمات على أربيل بحوالي 14 صاروخ من نوع كاتيوشا، أودى بحياة جندي أمريكي ومقاول مدني، وعدد من الجرحى، فضلاً عن الخسائر المادية. فكان إزاءها تنديد دولي واسع خاصة من الدول الغربية، وقرارها في زيادة عديد قواتها في العراق، وما لهذا القرار من مخاطر قد تدفع حكومة الإقليم لضم أراضٍ جديدة بدعوى تعزيز أمنها أو عائديتها لها، وتنشيط لرغبة إقامة دولة كردية إذا ما تكررت مثل هذه الهجمات كما صرح نائب في الحزب الديمقراطي الكوردستاني.

ثم أعقبها قصف المنطقة الخضراء بتاريخ: 22 شباط 2021، بثلاثة صواريخ من النوع ذاته، والتي سوف تلقى ردود أفعال واستنكار دولي، واسع، مما يوهن من موقف الحكومة، ويفقد المجتمع الدولي الأمل في استمرار التعامل معها أو الثقة بوعودها. علماً بأن وزارة الخارجية الأمريكية قد ردت: (أن الهجمات على السفارة الأمريكية في بغداد خطيرة ولدينا حق الرد).

ثانياً- الظهور الإعلامي المتكرر لإبنة الرئيس الأسبق صدام حسين بعد غياب وصمت طويل، على قناة العربية (القطرية) في حلقات ست متتابعة، إذ كان اللقاء في مدينة دبي الإماراتية، علماً بأنها تقيم في العاصمة الأردنية عمان، وهذا ما يدعو للتساؤل عن مغزاه وتوقيته ومكانه، علماً أنها ذكرت في معرض ردها عن العمل السياسي لها، (أن كل شيء وارد)، بطريقة، رب تلويح خير من تصريح، ورب إشارة خير من عبارة، بنبرة ملؤها الثقة!

وبناءً عليه نتساءل عن مدى التداخل في مصالح قوى إقليمية وعالمية وبعض دول المنطقة في تصميم وإظهار هذا اللقاء الإعلامي ذو الرسائل السياسية الموجهة للداخل العراقي ومنطقة الخليج العربي بالدرجة الأساس، وما مدى تأثير نتيجة تلك التساؤلات على النظام السياسي العراقي، بعد استغلال خصومة لفشله في تحقيق أهدافه في الأمن والتنمية.

ثالثاً- موقف السيد زعيم التيار الصدري، بتفعيل قانون اجتثاث البعث، بعد بث اللقاء المذكور أعلاه، وحتى قبل إتمام بث سلسلة اللقاءات، قد يشير بأن لديه من المعلومات ما استدعت الرد السريع منه، أو أن إدراكه للخطر القادم قد وضع له أولوية قصوى من حيث المواجهة. ومن الجدير بالذكر أن القانون الذي طلب تفعيله السيد زعيم التيار الصدري، هو قانون الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث، يعد قانوناً ملغياً وحل محله قانون الهيئة الوطنية المساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 النافذ حالياً [1]، وإن دعوة سماحته بتفعيل القانون يشير الى أنه لم يتم تطبيق هذا القانون بصورة سليمة، وهذه نقطة سلبية يتم تسجيلها على أداء الحكومات المتعاقبة. ومع ذلك تُعد مثل هذه القوانين من مجموعة قوانين العدالة الاجتماعية التي يتوجب أن يتم استكمال تنفيذها بسقف زمني محدد على وفق المعايير الدولية لتطبيق مثل هذه القوانين للمحافظة على انسجام المجتمع والسلم الأهلي.

رابعاً- مناداة زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر لرئاسة مجلس الوزراء مبكراً، وقبل موعد الانتخابات، الذي حدد ليكون إجراؤها في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وانتشار قوات سرايا السلام بسلاحها في عدة مدن عراقية منها العاصمة بغداد، بوقت قصير وسريع، بحجة أنباء عن تهديد بتفجير العتبات المقدسة من قبل إرهابيين وبعثيين. وبعدما أدركوا زوال التهديد انسحبوا بصورة هادئة وبزمن قياسي.

خامساً- عودة الاحتجاجات في بعض المحافظات العراقية كما في محافظتي ذي قار وواسط، تزامناً مع أزمات اقتصادية وصحية خانقة تعصف بالشعب العراقي، فضلاً عن استشراء ظاهرة الفساد، وغياب موقف رسمي جاد للحد منه أو احتواءه على الأقل.

سادساً- استمرار وجود يأس وإحباط مجتمعي من النخبة السياسية كأفراد وأحزاب وتيارات من إصلاح واقعها، بما يحمل معالجات لمشكلات وأزمات الوطن والمواطن، التي عاشها طوال 17 عام مضت، دون تغيير واقعي أو منجز فعلي كان يتطلع إليه، وهذا مدعاة خطر كبير، إذ متى ما فقد الشعب ثقته بالسلطة وساستها، اهتزت أركان النظام السياسي وطبعت بعدم الشرعية والمشروعية، فضلاً عن شعور بزوال عوامل تأييدها ما يهدد استمرار بقاءه، بسبب فقدان المزاج النفسي الخاص بتقبله أو الصبر عليه من قبل المواطن.

هذه العوامل والمتغيرات وما قد يضاف لها من أزمات قد توظف إقليمياً ودولياً بما يهدد أمن ووحدة العراق، خاصة في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، برئاسة جوزيف بايدن الذي طرح حينما كان نائباً للرئيس الأسبق أوباما مشروع تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم وفق تقسيم مذهبي قومي، والذي يجد أسسه قائمة في نظام سياسي محاصصاتي، لم يتمكن من تأسيس لمشروع مواطنة، تعزز وحدة الشعب وتقوي أواصر اللحمة الوطنية بين مكوناته، بعيداً عن أي انتماءات فرعية موهنه.

وما قد يجعل منه، المناخ العراقي السياسي المثقل بأزماته المزمنة، يعزز من قناعاته بهذا المشروع والعمل على إعادته للحياة، وقد يبدأ به من المحافظات العراقية الغربية، موظفاً كميات النفط والغاز الهائلة المكتشفة في محافظة الأنبار، والذي يخدم مشروعه في تعزيز تأثير الولايات المتحدة على حلفاءها الأوربيين وقيادتها للعالم في تزويدها بالغاز العراقي ، للحد من التأثير الروسي المتحكم بإمدادات وأسعار الغاز إلى دول الإتحاد الأوربي، ومن ثم التأثير في قراراتها، فضلاً عن إيجاد قوات أو قواعد أمريكية في نينوى تضاف إلى قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار لمساعدة قوات حماية الشعب الكردي في سوريا تمهيداً لإنشاء إقليما كرديا، والهيمنة على حقول النفط السورية ، وتشديد الخناق على النظام السوري، كيما يخرج من قبضة الهيمنة الروسية الإيرانية والصلح مع الكيان الصهيوني أو العمل على إسقاطه، بينما من المرجح أن تتأجج في مناطق الوسط والجنوب أي الفرات الأوسط بفعل عوامل ذاتية وموضوعية حرب أهلية، لتدمير القوى الفاعلة أو المتحكمة فيها، والتي تتهم الولايات المتحدة والغرب إيران في دعمها وبالتالي الحد من النفوذ الإيراني أو إضعافه .

وتأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى إن الوضع السياسي العراقي على مفترق طرق، وأن العراق يمر في لحظة تأريخية حاسمة، فأما أن يدرك قادته خطورة الموقف، وما تخطط القوى الكبرى وتعده في مطابخها السياسية له، لتدميره وإضعافه، أكثر مما هو عليه الآن، أو يتم العمل على إجراء انتخابات شفافة ونزيهة، تحظى بثقة الشعب وبإشراف الأمم المتحدة، لكي تنتج حكومة وطنية مستقلة تعمل على صيانة سيادة العراق واستقلاله، وتسعى جاهدة لتحقيق طموحات الشعب وأحلامه في تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لجميع أبناءه، وتحقيق تنمية مستدامة وتعزيز روح المواطنة عبر بناء دولة ديمقراطية مؤسساتية ودستورية.

كما يتعين على الحكومة الحالية القيام بالعمل الجاد في مكافحة الفساد وإعادة أموال الشعب المنهوبة، ومحاسبة الفاسدين، وتحقيق كافة وعودها التي قطعتها على نفسها تمهيداً للانتخابات القادمة 2021، وتعبيراً عن احترامها للشعب وكسباً لثقته كي يشارك بتغير واقعه وبناء مستقبله المنشود في الأمن والتنمية والتقدم والازدهار.

* تخصص: علاقات دولية ودبلوماسية

....................................
[1] -قانون الهيئة الوطنية المساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008، منشور في الوقائع العراقية، رقم العدد: 4061، تاريخ العدد :14-02-2008.

اضف تعليق