ما زالت الولايات المتحدة الامريكية تعتمد على خبرتها التقليدية (والقديمة نوعا ما)، في مكافحة تنظيم "القاعدة" باستخدام الأساليب ذاتها مع تنظيم "داعش"... ومع اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بعدم وجود استراتيجية نهائية وثابتة يمكن اعتمادها ضد التنظيم الجديد، شكلت هذه الأساليب المستهلكة أهمية لسد الفراغ الحاصل بالنسبة لإدارة البيت الأبيض ما دامت الأفكار النهائية لمقاتلة تنظيم "داعش" لم تتبلور بعد...

بالمقابل فان "داعش" طور أساليب عمل التنظيمات السابقة، ومنها تنظيم "القاعدة" الذي ينتمي اليه، بل وبادرت الكثير من الحركات والتنظيمات المتشددة لاعتماد أساليب التنظيم الجديدة في استخدام الدعاية والاعلام المضاد والسيطرة على المدن والبقاء فيها وطريقة استقطاب المتعاطفين مع التنظيم من عشرات الدول الغربية والاوربية واستخدام المفخخات والانتحاريين... كما ان قسم من الحركات المتطرفة أعلنت بيعتها لزعيم تنظيم داعش، "أبو بكر البغدادي"، بعد ان كان يدين بالولاء لتنظيم "القاعدة"، كما حدث في شمال وغرب افريقيا والشرق الأوسط.

أحد هذه الأساليب "التقليدية"، الذي لجأت اليه بعد غزوها لأفغانستان والعراق... هو استخدام الضربات الجوية بطائرات مسيرة عن بعد ومجهزة بصواريخ (الطائرات من دون طيار)، والتي تعتمد في اختيار أهدافها... على كم هائل من المعلومات الاستخبارية والرصد والمتابعة والتجسس الإلكتروني... ومع ان هذه الأسلوب نجح الى حد ما في القضاء على قيادات الخط الأول والثاني في تنظيم "القاعدة"... وأصاب اهداف اثرت على نجاحاته في العراق وأفغانستان وباكستان... الا ان نفس هذا النجاح لم يتحقق مع قيادات تنظيم "داعش"، التي لم تتأثر كثيرا بهذه الضربات واستطاعت تبديل قياداتها المستهدفة بأخرى من دون التأثير على سير عملياتها العسكرية في سوريا والعراق، كما ان هذه الوسيلة تخضع للكثير من الاحداث والمتغيرات والضغوط السياسية.. ففي باكستان دب خلاف كبير بشأن الضربات الجوية للطائرات المسيرة... كما حدث امر مشابه في أفغانستان... بعد اتهام الولايات المتحدة الامريكية باستهداف المدنيين، اما في اليمن فقد توقفت العمليات وغادر (100) جندي امريكي الأراضي اليمنية بمجرد بدء "عاصفة الحزم" السعودية... الامر الذي هدد نجاحات الامريكان ضد فرع القاعدة في الجزيرة العربية، الذي تعتبره من اقوى فروع القاعدة في العالم.

في العراق يكمن الاختبار الحقيقي لأي استراتيجية يمكن ان تنتهجها الولايات المتحدة الامريكية لوقف تمدد تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط، بشرط ان تكون استراتيجية واقعية وليست خيالية او مجرد نظريات... لكن على ماذا تعتمد الاستراتيجية الواقعية التي تمكن الولايات المتحدة من التصدي لتنظيم "داعش" في العراق؟ ربما على:

- دعم الحكومة العراقية بالسلاح الحديث والعتاد والتدريب والمعلومات الاستخبارية...الخ

- تكثيف الضربات الجوية بالتزامن مع تقدم القوات العراقية داخل الأراضي التي يسيطر عليها مقاتلي "داعش"... مثلما يجري الحال مع المقاتلين الاكراد

- العمل على منع تدفق المزيد من المقاتلين الأجانب الى العراق وسوريا

- إعطاء المزيد من الزخم والثقة للعراقيين لتحرير مدنهم وقراهم بدلا من ممارسة الضغوط السياسية او الاتهامات بحق الفصائل العراقية المقاتلة الى جانب الحكومة

- فصل الخلافات او التوافقات مع أطراف إقليمية عن القضية العراقية... فالهدف الرئيسي هو القضاء على أي تواجد لتنظيم "داعش" فوق الأراضي العراقية

وبمعنى ابسط... فالاستراتيجية الامريكية داخل العراق يمكن ان تعتمد على عاملين... الأول مادي، يتضح من خلال توفير كل متطلبات المعركة من سلاح حديث وذخيره وضربات جوية ودعم لوجستي واستخباري وما الى ذلك... اما العامل الثاني... فهو المعنوي، من خلال توفير الإمكانات السياسية والدبلوماسية الهائلة للولايات المتحدة الامريكية لدعم العراق بصورة أكثر واقعية... على المستوى الداخلي والمستوى الخارجي أيضا... اما مع غياب الرؤية المستقبلية لتعزيز التعاون مع الحكومة العراقية لمكافحة التنظيم وتمدده في الشرق الأوسط... فهذا يعني ان الانتظار سيدوم لحين قدوم الرئيس الفائز من انتخابات الرئاسة الامريكية لعام 2016... للدخول مرة أخرى في حسابات جديدة وتوقعات لا يمكن التكهن بمدى صوابها وقربها من الواقع، خصوصا إذا كان الرئيس القادم من الحزب الجمهوري المتحامل على إدارة أوباما وسياسته على مدى دورتان انتخابيتان.

وسط الخلاف على غياب الاستراتيجية او ضعفها بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية... يرى متابعون ان الحديث عن ضعف او غياب التخطيط الأمريكي امام "داعش"... هو مجرد وهم او عدم رؤية كاملة للمشهد... ويرى أصحاب هذا الرأي، ان استراتيجية الولايات المتحدة الامريكية تعتمد بالأساس على عدم المساس ببنية التنظيم الأساسية... والعمل على احتواءه وتوجيهه نحو اهداف معينة تخدم السياسية العامة للولايات المتحدة في المنطقة... وبعيدا عن نظريات المؤامرة او العمل الجاسوسي... لا يمكن اهمال أي احتمال يمكن ان يفسر سبب عجز الولايات المتحدة لمكافحة داعش بصورة اكثر جدية وواقعية...

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0